تظهر المستجدات والأحداث والتطورات الأخيرة في الشرق الاوسط وتحديداً -ما يجري بين تركيا والاكراد- من توترات امنية وسياسية مضطردة، عن صفقة جديدة لتركيا مع حلفائها من الغرب لتغيير قواعد اللعبة في المنطقة من جهة، وكسر شوكة الأكراد بذريعة شن حملة عسكرية لمحاربة داعش من جهة أخرى.

إذ يرى الكثير من المحللين ان تركيا تدعو لمحاربة في العلن بعد اقترابه من حدود تركيا لكن ربما تدعمه في الخفاء بدليل انها منذ عام ونصف على سيطرة داعش على الأراضي في شمال العراق، لم تتخذ تركيا أي إجراءات لمحاربة التنظيم الإرهابي. بينما عاث هذا التنظيم فسادا في أجزاء من العراق وسوريا، جلست تركيا مكتفة الأيدي معتمدة مبدأ "عدو عدوي هو صديقي"، كونها من أشد المعارضين لنظام الأسد الذي يحاربه التنظيم أيضا، لذا يرى هؤلاء المحللين دعاية محاربة داعش هي ذريعة يستغلها الرئيس رجب طيب إردوغان كفرصة لكبح جماح خصم آخر إذ يقصف الانفصاليين الأكراد الذين يعتبرهم مصدر تهديد للدولة التركية، ويمثل ضرب الانفصاليين الأكراد هدف رئيسي أيضاً هو صرف الأتراك سياسياً عن كل الخيارات، باستثناء خيار واحد: أرودغان.

ويرى بعض المراقبين ان علمية السلام بين تركيا والاكراد على وشك الموت بسبب سياسية اوردغان المتغطرسة، فعلى الرغم من انه كاد الممثلون الأكراد والحكومة التركية أن يحققوا اتفاقا العام الماضي بلحظة تاريخية أوشكت أن تنهي الصراع الذي أودى بحياة 45 ألف شخص منذ عام 1984، عندما شن حزب العمال الكردستاني حملة عنيفة من أجل الاستقلال.

ولكن الآن، ضربت الحكومة التركية معسكرات حزب العمال الكردستاني في العراق واعتقلت عددا كبيرا من أعضاء حزب العمال الكردستاني داخل تركيا، وينطوي خوض حرب على جبهتين على مخاطر كبيرة على تركيا عضو حلف شمال الأطلسي فهو يعرضها لتهديد يتمثل في هجمات الجهاديين الانتقامية ولخطر إعادة إشعال حركة التمرد الكردية التي أودت بحياة 40 ألف شخص على مدار ثلاثة عقود.

لكن على الجبهتين يبدو أن إردوغان يأمل في استغلال الفرصة للخروج من أزمة. إنه يسعى لتحسين موقف تركيا على الساحة الدولية من خلال اتخاذ موقف أقوى من داعش لكنه في الوقت نفسه يضعف المعارضة المؤيدة للأكراد ويعزز دعم القوميين في الداخل من خلال الهجمات على حزب العمال الكردستاني.

لماذا الآن؟، وقتت تركيا قصفها لاصطياد الاكراد، يجيب على بعض المحللين على هذا السؤال المهم بانه منذ الانتكاسة التي مني بها في انتخابات يونيو حزيران حين فقد حزب العدالة والتنمية الذي أسسه الأغلبية وحصل حزب الشعوب الديمقراطي المعارض المؤيد للأكراد على أصوات كافية لدخول البرلمان للمرة الأولى يحرص إردوغان على استعادة تأييد القوميين.

لذا يرى محللون متخصصون في الشؤون السياسية ان الهدف الأرجح هنا هو حزب الشعوب الديمقراطي. من خلال ضرب حزب العمال الكردستاني بقوة تضغط الحكومة التركية على حزب الشعوب الديمقراطي ليختار جانبا" ينحاز إليه، فاما أن يندد بحزب العمال الكردستاني لوقف العنف فيجازف برد فعل سلبي بين قاعدة تأييده الكردية أو يتبنى خطابا أكثر تأييدا للأكراد ليجازف بإغضاب الجماهير التركية وكذلك القضاء الذي له تاريخ طويل من حظر الأحزاب الكردية والساسة الأكراد.

وفي حالة إجراء انتخابات مبكرة فإن تراجع تصويت الأكراد والمخاوف بشأن الأمن يمكن أن تنعش التصويت لحزب العدالة والتنمية ومعه طموحات إردوغان لتغيير الدستور ليعزز رئاسته بصلاحيات جديدة واسعة.

وجاء قرار الانضمام للحملة ضد داعش مباشرة بعد تفجير انتحاري يشتبه أن تنظيم الدولة الإسلامية نفذه وأسفر عن مقتل 32 شخصا في بلدة سروج بجنوب شرق البلاد. وأدى الهجوم إلى ممارسة الأكراد لأعمال عنف على مدى أيام وهم يتهمون إردوغان وحزب العدالة والتنمية بتقديم الدعم سرا لتنظيم الدولة الإسلامية ضد أكراد سوريا.

وتنفي أنقرة ذلك لكنها في الوقت نفسه غير راضية عن التقدم الثابت الذي تحرزه وحدات حماية الشعب الكردية السورية مدعومة بالضربات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة ضد الدولة الإسلامية. ويخضع نحو نصف حدود سوريا مع تركيا التي يبلغ طولها 900 كيلومتر لسيطرة الأكراد.

ويخشى إردوغان وحزب العدالة والتنمية من أن يكسب هذا التقدم الأقلية الكردية في تركيا وقوامها 14 مليون نسمة جرأة وأن يشعل من جديد التمرد الذي قاده حزب العمال الكردستاني لثلاثة عقود. وتصنف تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية.

وتريد تركيا أن تبعد المناطق الآمنة على الجانب السوري من الحدود متشددي الدولة الإسلامية والمسلحين الأكراد عن أراضيها وأن تساعد في وقف تدفق المزيد من اللاجئين الذين سينضمون إلى 1.8 مليون لاجىء تستضيفهم حاليا.

ويبدو أن أنقرة قد حصلت على تأييد ضمني من واشنطن لحملتها ضد حزب العمال الكردستاني الذي تختبئ عناصره في جبال شمال العراق على الرغم من تعاون التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مع الأكراد في سوريا.

وتجديد الحملة العسكرية على حزب العمال الكردستاني الذي يخوض منذ 30 عاما تمردا ضد الدولة التركية ينطلق جزئيا من معسكرات في شمال العراق أثار شكوكا في أن هدف تركيا الحقيقي هو كبح جماح الطموحات الإقليمية للأكراد وليس قتال داعش.

ويقول أكراد تركيا إن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يسعى أيضا من خلال تجديد الصراع المفتوح مع حزب العمال الكردستاني إلى تقويض التأييد للمعارضة المؤيدة للأكراد في الداخل قبل الانتخابات المبكرة المحتملة عبر إثارة المشاعر القومية.

وفي إبراز للطريق المحفوف بالمخاطر الذي تسلكه أنقرة بينما تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والمقاتلين الأكراد في العراق قالت وحدات حماية الشعب الكردية إن الجيش التركي قصف مواقعها في قرية على مشارف بلدة جرابلس الحدودية التي تسيطر عليها الدولة الإسلامية.

وعليه تضفي المعطيات انفة الذكر سؤالا مهما هو هل دخلت أنقرة حربا مفتوحة مع حزب العمال الكردستاني؟، مما يرجح بان العمليات العسكرية التركية ضد حزب العمال الكردستاني قد تطول، في الوقت الذي تتواصل فيه العمليات العسكرية التركية ضد داعش في سوريا، وحزب العمال الكردستاني في العراق تتزايد التساؤلات بشأن أولويات تركيا من هذه العمليات .. هل تسعى الحكومة التركية إلى تحقيق أهداف سياسية داخلية من خلال استهدافها لحزب العمال الكردستاني؟، وهل يطول أمد الحرب بينها وبين مقاتلي الحزب ليتحول إلى مواجهة مفتوحة؟.

تركيا تواصل قصف الأكراد

في سياق متصل قصفت مقاتلتان تركيتان من طراز أف-16 أهدافا لحزب العمال الكردستاني في محافظة سرناك بجنوب شرق البلاد بعد نيران استهدفت قوات الأمن، وفق هيئة الأركان التركية، ودعت تركيا، الدولة المسلمة الوحيدة في الحلف الأطلسي وإحدى أقوى بلدانه، إلى مشاورات مع حلفائها بعد هجوم سروج (سوروتش) الدامي الذي نسبته إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" وهجمات نفذها حزب العمال الكردستاني واستهدفت رجال شرطة وجنودا أتراكا، وعلى هامش اجتماع الحلف، قال ممثل المؤتمر الوطني الكردي زبير إيدار إن "تركيا لا تخوض الحرب ضد داعش بل ضد الشعب الكردي".

وأمام حوالى ثلاثين ناشطا تجمعوا أمام البرلمان الأوروبي، دعا إيدار الحلف إلى "لعب دور وسيط بين تركيا والأكراد لإنقاذ عملية السلام" و"تعزيز القوات الكردية التي تقاتل على الأرض" متطرفي تنظيم "الدولة الإسلامية". بحسب فرانس برس.

ويأتي هذا الاجتماع بعد يوم على قرار الولايات المتحدة وتركيا تعزيز تعاونهما العسكري للقضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية" في شمال سوريا، وقال مسؤول أمريكي كبير إن الشراكة الجديدة بين الولايات المتحدة وتركيا "تهدف إلى إقامة منطقة خالية من تنظيم "الدولة الإسلامية" وضمان قدر أكبر من الأمن والاستقرار على طول الحدود التركية مع سوريا".

وأضاف أنه "لا يزال يتعين العمل على وضع تفاصيل" هذا الاتفاق لكنه أكد أن "أي جهود عسكرية مشتركة لن تشمل فرض منطقة حظر للطيران" وهو ما تريده تركيا منذ فترة طويلة. وأكد أن الاتفاق سيضمن دعم تركيا "لشركاء الولايات المتحدة على الأرض" الذين يقاتلون تنظيم "الدولة الإسلامية".

فرصة إردوغان لكبح جماح الأكراد

من جهته قال ولفانجو بيكولي من شركة تينيو انتليجنس لأبحاث المخاطر في مذكرة "زاد تبني أنقرة لسياسات حازمة في الآونة الأخيرة تجاه حزب العمال الكردستاني والدولة الإسلامية من خطر الهجمات الإرهابية والاضطرابات الأهلية المستمرة داخل البلاد بدرجة كبيرة"، وقال سنان أولجن الباحث الزائر في مركز كارنيجي أوروبا ورئيس مؤسسة إيدام البحثية ومقرها اسطنبول "سير الأحداث في سوريا كان يجري ضد المصالح التركية... أولا الدولة الإسلامية كانت تتوسع في اتجاه الشمال الغربي وتواصل الاستيلاء على أراض على الحدود، "ثانيا كان هناك خوف من أن توسع وحدات حماية الشعب الكردية يمكن أن يؤدي في نهاية المطاف إلى إقامة أراض كردية تمتد من العراق إلى البحر المتوسط. هذان العاملان أجبرا تركيا على التحرك". بحسب رويترز.

يقول أولجن إن أنقرة تعي أيضا أن وحدات حماية الشعب الكردية بإثباتها أنها شريك يمكن الاعتماد عليه على الأرض للضربات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة "تكتسب درجة غير مناسبة من النفوذ في واشنطن" وهو ما دفع تركيا لتدرك الحاجة للتدخل والتحرك ضد تنظيم الدولة الإسلامية حتى تتجنب تهميشها، وأضاف "تأجيل المشاركة الكاملة مع التحالف المناهض للدولة الإسلامية كان ثمنه كبيرا من الناحية الأمنية وعلى صعيد المصلحة القومية لتركيا"، وتابع "لو كانت تركيا استطاعت تبني هذا الموقف قبل عام لاختلفت الأمور كثيرا".

وقال يوسف موفت أوغلو من شركة ماكرو للاستشارات وهي مؤسسة لاستشارات المخاطر السياسية مقرها لندن إن من أسباب اتخاذ أنقرة القرار بالتحرك إدراكها أن جهودها لكسب تأييد الولايات المتحدة لإقامة "منطقة عازلة" في شمال سوريا لا تحرز تقدما.

وبعد بدء الضربات بقليل أثار وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو القضية مرة أخرى وقال في مؤتمر صحفي يوم السبت إن الأراضي التي يتم تطهيرها من مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سوريا ستصبح "مناطق آمنة" بطبيعة الحال.

واشنطن وأنقرة تسعيان لإقامة منطقة آمنة بشمال سوريا

الى ذلك تعمل تركيا والولايات المتحدة على وضع خطط لتوفير غطاء جوي لمقاتلي المعارضة السورية والتعاون في إخراج مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية من شريط من الأرض على امتداد الحدود التركية وذلك لتعزيز أمن أنقرة عضو حلف شمال الأطلسي وتوفير ملاذ آمن للمدنيين.

ولفترة طويلة شاركت تركيا على استحياء في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الدولة الإسلامية لكنها في الأسبوع الماضي أجرت تغييرا جذريا حين سمحت للتحالف باستخدام قواعدها الجوية وقصفت أهدافا في سوريا مرتبطة بالتنظيم المتشدد.

وتستضيف تركيا أكثر من 1.8 مليون لاجئ سوري وتدعو منذ فترة طويلة إلى إقامة "منطقة حظر طيران" في شمال سوريا لابعاد تنظيم الدولة الإسلامية والمسلحين الأكراد عن حدودها وللمساعدة في وقف تدفق اللاجئين الذين يحاولون العبور إليها.

ولم يتم الاعلان عن ترتيبات رسمية بهذا الشأن مع واشنطن لكن رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو قال إن أنقرة وواشنطن متفقتان على الحاجة إلى توفير غطاء جوي للمعارضة السورية المعتدلة في قتالها ضد الدولة الإسلامية.

وفي واشنطن قال مسؤولون أمريكيون إن مناقشات تجري بشأن حجم ونطاق منطقة آمنة على الحدود تخلى من مقاتلي الدولة الإسلامية وتتيح لمسلحي المعارضة المعتدلة العمل بحرية، واستبعد مسؤولون أمريكيون التعاون مع تركيا في إقامة منطقة حظر جوي رسمية وقالوا إن الخطة لا تهدف إلى إقامة "منطقة آمنة" للاجئين السوريين. بحسب رويترز.

وقال مسؤول كبير في إدارة الرئيس باراك أوباما طلب عدم نشر اسمه "ليس هدف العملية إقامة منطقة آمنة يذهب إليها اللاجئون السوريون"، وأضاف المسؤول "قد يذهب (اللاجئون) لكن هذا ليس هدف العملية. الهدف من العملية هو تطهير الحدود واغلاقها أمام داعش (الدولة الإسلامية)"، وسيعقد حلف شمال الأطلسي اجتماعا طارئا لمناقشة القضايا الأمنية بناء على طلب تركيا. وقال شخصان مطلعان على المناقشات إن من المتوقع أن تطلع أنقرة حلفاءها على الإجراءات التي تتخذها ولكنها لم تطلب أي دعم بالطائرات أو القوات خلال الأعداد للاجتماع، وقال الأمين العام لحلف الأطلسي ينس شتولتينبيرج لمحطة (بي.بي.سي) "تركيا لديها جيش قوي للغاية وقوات أمن قوية جدا لذا فإنه ليس هناك أي طلب بدعم عسكري إضافي من الحلف"، وأكد مسؤول تركي كبير أن الجيش رد على قصف تعرض له عبر الحدود لكنه قال إنه لم يتضح أي الجماعات هي التي قصفت تركيا مشددا على أن الجيش التركي لا يستهدف وحدات حماية الشعب.

وقال المسؤول التركي منوها عن أن أنقرة تجري تحقيقا بشأن اتهامات وحدات حماية الشعب لها "العملية العسكرية الحالية تستهدف تحييد التهديدات الوشيكة للأمن القومي التركي ومستمرة في استهداف الدولة الإسلامية في سوريا وحزب العمال الكردستاني في العراق"، وأضاف "حزب الاتحاد الديمقراطي (الجناح السياسي لوحدات حماية الشعب الكردية في سوريا) وآخرون ما زالوا خارج نطاق الجهد العسكري الحالي"، وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان والمتحدث باسم وحدات حماية الشعب ريدور خليل إن الوحدات حققت مكاسب جديدة ضد الدولة الإسلامية في شمال سوريا عندما استولت على بلدة قرب نهر الفرات بعد هجوم استمر شهرا استهدف قطع خطوط إمدادات التنظيم المتشدد.

أوغلو: لا توجد خطط لإرسال تركيا قوات برية إلى سوريا

نُقل عن رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو قوله إنه ليس لدى تركيا خطط لإرسال قوات برية إلى سوريا ولكنها اتفقت مع الولايات المتحدة على ضرورة توفير غطاء جوي للمعارضة السورية المعتدلة التي تقاتل تنظيم الدولة الاسلامية هناك. بحسب رويترز.

وحدث تحول كبير في موقف تركيا العضو المتحفظ منذ فترة طويلة في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في الأسبوع الماضي بمنح قوات التحالف حرية استخدام قواعدها الجوية وشن غارات جوية ضد كل من متشددي تنظيم الدولة الإسلامية والأكراد في العراق.

ونُقل عن أوغلو قوله لرؤساء تحرير وسائل الإعلام التركية إنه على الرغم من استمرار الخلافات مع واشنطن بشأن جوانب السياسة في سوريا فهناك أرضية مشتركة كافية للتوصل لاتفاق بشأن فتح القواعد الجوية، ونقلت صحيفة حريت عنه قوله "من النقاط المهمة التغطية الجوية للجيش السوري الحر والعناصر المعتدلة الأخرى التي تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0