إذا تقبلنا الأعذار التي قدمتها وزارة الكهرباء بشأن انهيار إمدادات الطاقة هذه الأيام، فمن الطبيعي تقبل عذر سائق سيارة مخمور يقتل عدداً من المواطنين في حادث سير، وطبيعي تقبل عذر طالب كسول رسب في الامتحان وألقى باللوم على كسله.

يشبه العذر الذي قدمته وزارة الكهرباء بشأن انهيار امدادات الطاقة، عذر السائق المخمور الذي تسبب بوفاة عدد من المواطنين.

لماذا تسببت بالحادث؟

لأنني مخمور.

شكراً لك.

اذهب إلى منزلك، فالمشكلة لا تتعلق بك، الخمر هو من يستحق العقاب ودخول السجن، استدعوا الشرطة لإلقاء القبض على زجاجة الخمر.

فعندما تلقي باللوم على شخص أو شيء معين فأنت تدعونا لمعاقبة ذلك الشخص أو الشيء وتدفع تهمة التقصير عن نفسك، وهذا تفعله وزارة الكهرباء حرفياً.

الناطق باسم الوزارة أحمد موسى جلس أمام الشعب العراقي على شاشة القناة الرسمية، ويُفْتَرَضُ أنه تَعَرّضَ لمحاكمة إعلامية، يقول موسى: إن المنظومة الكهربائية في العراق تشهد وضعاً سيئاً، لأنها تحتاج إلى الغاز الإيراني والأموال والخطوط الإيرانية، وكل ما ذكر آنفاً، غير متوفر في الوقت الحالي.

آه.. شكراً لجهودكم العظيمة التي أخرجت لنا هذا التصريح الفريد من نوعه.

هل لديكم معلومات أخرى عن أسباب انهيار منظومة الطاقة الكهربائية في العراق؟

أحمد موسى يجيب: نعم، سوء الأحوال الجوية، تسبب أيضا بتقليص إمدادات الغاز الوطني بنسبة 50 في المئة، ما تسبب بانعكاس هذه التداعيات على المنظومة، فضلاً عن توقف العديد من الوحدات التوليدية، الذي أثر على تجهيز الساعات.

هل هناك حلول آنية لحل المشكلة؟

نعم، هناك مفاوضات مستمرة مع الجانب الايراني ولدينا وفود زائرة لهم، وكذلك خطوطنا مفتوحة مع السفارة لإلزامهم بفقرات العقد الموقع بين الجانبين.

للتوضيح فإن العقد الموقع مع الجانب الإيراني لا يلزمهم بإطلاق الغاز للعراق في حال حدوث نقص لدى الجانب الإيراني، وما يقوله متحدث الكهرباء قد يكون غير دقيق حسب معرفتي ببنود العقد.

ويبحث موسى عن ضحية جديدة يلقى عليها اللوم وهذه المرة وزارة المالية العراقية التي دعاها إلى سداد مستحقات الجانب الإيراني.

كل هذه المبررات غير منطقية وغير مقنعة للشعب العراقي الذي تعود عهيا، وما نعرفه ولمسناه بالجرم المشهود أن وزارة الكهرباء فشلت مرتين هذا العام وتسببت بانهيارات لم تحدث منذ سقوط نظام صدام وحتى الآن.

الانهيار الأول كان في فصل الصيف الماضي وخرجت الحكومة ووزارة كهربائها بنفس الأعذار والمبررات التي تحدثت عنها الآن.

والمرة الثانية هي التي حدثت منذ بدء موجة البرد ومستمرة لحد هذه اللحظة (الاثنين 24 كانون الثاني 2022) وقد تكون أشد من السابقة لأنها استمرت لأكثر من أسبوع بينما الصمت هو سيد الموقف والتبرير هو السلاح الوحيد الذي تملكه وزارة الكهرباء للدفاع عن أداء لا يمكن الدفاع عنه.

ورغم هذا الفشل يخرج متحدث وزارة الكهرباء بكل جرأة ويقول بأن الحكومة مضت نحو تصحيح المسار من خلال تنويع مصادر الطاقة ووقعت عقوداً بشأن اعتماد طاقات شمسية مع شركات عالمية والآن يجري العمل فيها، فضلاً عن الربط الخليجي الذي اكتملت بعض فقراته، وهناك خطة وقودية من قبل وزارة النفط جاءت بمتابعة وتوجيه من الحكومة.

لسان حال العراقيين يردد المثل الشهير: "لا تقول سمسم إذا ما تلهم"، أي لا تصدق بالكلام إذا لم تلمس تطبيقاته على أرض الواقع، وإذا كان الحديث صادر على لسان وزارة الكهرباء فنحن لا نصدق بها حتى عندما تكون ساعات التجهيز 24 ساعة في اليوم، لأنها قد تكون متعاقدة مع دول الخارج التي لا نعرف متى تقطع عنا الامدادات إن هي أرادت ذلك.

نسأل عن الحساب لذي يجب أن يقع على وزارة الكهرباء، وهذا غير ممكن بسبب حالة اليأس التي أصابت المواطن، بحيث أصبحت فكرة تجهيز الكهرباء على مدارة 24 ساعة من المستحيلات التي لا يمكن تحقيقها.

حتى الطفل الرضيع يتربى على انقطاع الكهرباء ويعرف أن لها برنامج انقطاء طويل وساعات تجهيز قليلة.

وفق الواقع الحالي فإن حال الكهرباء قد لا يصلح إلا إذا صلح الوضع السياسي والاقتصادي للبلد، وتلك مشكلة أخرى كبيرة ومعقدة.

يجب أن أتوقف عن الكتابة الآن فاللاب توب قد يتوقف عن العمل لأن الكهرباء مقطوعة منذ أكثر من ثلثي اليوم، وكل الأجهزة المساعدة على إطالة أمد الشحن قد أفرغت، ولم يتبقى سوى الضوء الخافت للهاتف الذكي، لعله يسعفني في تناول وجبة العشاء.

اضف تعليق