في لقائه على شاشة إحدى القنوات العراقية قال السياسي العتيق عزت الشابندر أنه سعيد لكونه سمع أخباراً تتحدث عن ابتعاد إيران عن التدخل في شؤون العراق ولا سيما مباحثات تشكيل الحكومة والرئاسات الثلاث، واتبع قوله بـ"لكن".

لكن الشابندر يرفض استبدال التدخل الإيراني بتدخل خارجي آخر، بمعنى أننا يجب أن نرفض التدخل الخارجي لكونه خارجي مجرد، بغض النظر عنه إن كان إيرانياً أو عربياً أو غربياً. انتهى حديث الشابندر.

أليست الحرب بحاجة إلى حلفاء؟ وعندما تريد التخلص من عدو خارجي يتطلب ذلك التحالف مع دولة كبيرة تحقق لك فائضاً من القوة وبما يجبر الطرف المُتَدَخّل إلى التراجع والتوقف عن سلوكه التوسعي.

نظرياً هذه حجة صحيحة، وبالفعل قد تضطر الدولة الضعيفة للاستعانة بدولة كبيرة كما فعلت بريطانيا عندما استعانت بالولايات المتحدة الأميركية لإيقاف زحف النازيين نحو لندن، لكن بريطانيا لم تجعل قرارها بيد الأميركيين وبقيت مستقلة عنها حتى يومنا هذا، بعبارة أخرى، بريطانيا لم تشن الحرب ضد ألمانيا لتحقيق المصالح الأميركية، بل العكس أن المصالح البريطانية هي التي دفعتها للتحالف مع أميركا من أجل إلحاق الهزيمة بالنازيين وهذا ما حصل فعلاً.

أما في العراق فالحرب ضد التدخل الخارجي بالنسبة لطرف معين هي تحقيق انتصار لصالح إيران على حساب التدخلين العربي والغربي، والعكس يجري بالطريقة نفسها، أي أن إعلان الحرب ضد التدخل الإيراني يعني العمل على تحقيق انتصارات لصالح التدخلين العربي والغربي.

المحرك الأساسي في العداء ضد إيران أو ضد العرب والغرب ليس المصالح الوطنية العراقية، إنما تحقيق مصالح الخارج بغض النظر عن تأثيرها على الداخل العراقي.

أي أن الكل يعمل لصالح الخارج، وبعبارة أدق هناك معسكران يعملان لصالح الخارج وهما المسيطران على مسارات السياسية الداخلية العراقية، مسار لصالح إيران وهدفه الأساسي تحقيق المصلحة الإيرانية، ومسار آخر لصالح العرب والغرب، أما المصالح الوطنية العراقية فهي الغلاف الذي تغلف بها أعمال السياسيين لصالح أحد الطرفين.

قد تكون هذه الرؤية متطرفة بعض الشيء لكنها لا تخلو في جانبها الأكبر من صحة لها قرائن ووقائع ميدانية تثبتها.

الأعمق من هذا الصراع هو مقدار القداسة التي يحملها كل طرف من طرفي الصراع، فمن يشتم الآخر أكثر يملك حصانة ضد النقد من محبيه ولا يطلب منه عمل فعلي يخدم المصلحة الوطنية، فهذه المصلحة معلقة فقط بالشتم وإلقاء اللوم على الطرف الآخر، سواء كان إيرانياً أو عربياً وغربياً.

قد يكون التدخل الإيراني أكثر حدة ويجري بطريقة مباشرة وقد يكون التدخل العربي والغربي أقل حدة وأقرب للنعومة، وهذا الاختلاف نابع من الاستراتيجية التي يتبعها كل طرف للتفاعل مع الحدث العراقي، لكن في النهاية الطرفان يتدخلان بحسب ما تمليه مصالحهما لا غير، وهما يؤثران بالسلب على الداخل العراقي.

كيف يكون هذا التأثير السلبي؟

لا يقتصر التأثير على مستوى تقدم البلاد من حيث العمران والاقتصاد، فهذا مثبت بحسب مستويات الفساد والفقر والتخلف، لكن من حيث الحصانة العامة التي تتوافر لأطراف الصراع وجنوده المحليين.

الكاتب اللبناني حازم صاغية تناول مشكلة مشابهة لما نعيشه اليوم كعراقيين في مقال نشره أواخر عام 2018 على موقع درج. تلك هي مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي المزمن، والآثار التي انعكست على المجتمعات العربية من حيث أنها أعطت حصانة لأطراف الصراع وهذا ما أضر بالواقع العربي عموماً.

بحسب رأي صاغية لا يكفي أن يكون المرء ضدّ إيران، تماماً كما لا يكفي أن يكون ضدّ إسرائيل حتّى لو كان صادقاً في ذلك.

"كنْ ضدّ إسرائيل وافعل ما تشاء. لا بل "قلْ إنّك ضدّ إسرائيل وافعل ما تشاء". هذه حكمة من حِكَم السياسة والثقافة السياسيّة العربيّتين. الذين استخدموها بفعاليّة كثيرون، أبرزهم بالطبع "الأسدان" حافظ وبشّار، لكنّ سواهما، في بلدان عربيّة أخرى، استخدموها كذلك. الذين صدّقوا، وما زالوا يصدّقون، هم أيضاً كثيرون. الثمرة الأغنى التي طرحتها تلك المعادلة كانت تبرير قتل السوريّين، ولو بالكيماويّ والبراميل، لأنّ بشّار ضدّ إسرائيل، أو لأنّه يقول إنّه ضدّ إسرائيل.

في زمن لاحق ظهرت حكمة أخرى مضادّة للحكمة الأولى لكنّها من الطبيعة نفسها: "كن ضدّ إيران وافعل ما تشاء". أيّدْ سياسات الأبله دونالد ترامب. وافق على "صفقة القرن" لتسوية القضيّة الفلسطينيّة. اصمت عن بنيامين نتانياهو والاستيطان الإسرائيليّ. ارفض كلّ تذكير بمسألة اجتماعيّة ينتجها تغوّل رأس المال… هذه أيضاً "مؤامرات" مثل "مؤامرة" الثورة على آل الأسد.

الأمر، في النهاية، عقل واحد انشقّ إلى نصفين. كلّ نصف يختصر العالم إلى معادلة واحدة ضدّيّة وصفريّة وفقيرة.

"نظاما إسرائيل وإيران – اللذان يستحقّان منّا كلّ العداء – لا يحلمان بعداء أغبى من هذا". انتهى حديث حازم صاغية.

بالنسبة لنا كعراقيين لا تحلم دول الخارج التي حولت بلدنا إلى ميدان صراع أكثر مما نقوم بها نيابة عنها.

لك أن تتصور مجموعة من كبريات وسائل الإعلام في السعودية والإمارات وقطر تدافع عن النظام السياسي العراقي بقوة وتدافع عن تدخلاته في تلك الدول؟ حدث هذا مرة واحدة وكانت النتيجة مأساوية عندما كانت تلك الدول تدافع عن نظام صدام حسين في الثمانينيات حتى انتهى به المطاف بغزو الكويت والتوغل في أجزاء من السعودية.

هل تسمح الدول العربية بخطاب إعلامي يتعارض مع المصالح الوطنية ويتناغم مع المصالح العراقية؟ وهل تسمح إيران بتشكيل مجموعة مسلحة واحدة تدعي الانتماء واخذ الأوامر من مرجعية النجف؟

هذا غير ممكن لأسباب تتعلق بسيادة تلك الدول، وهذا ما علينا فعله نحن كعراقيين ليس باعتبارنا أعداء للعرب أو الإيرانيين، بل لكوننا ندافع عن مصالحنا الوطنية فقط لا أكثر، ومن واجبنا بناء علاقات طيبة مع جميع الأطراف وعدم التماهي مع التدخلات الخارجية من أي طرف كان.

أما اتخاذ وظيفة لعن الأعداء فهذا غير مفيد لبلدنا إن كنا نحرص فعلاً على مصالحنا الوطنية.

وعلى كل من يقدس الأطراف السياسية المشاركة في صراع اللعن المتبادل مراجعة تقييمه لرموزه حتى لا يضر العراق أكثر مما هو متضرر الآن.

اضف تعليق