قبل ايام طرحت على قرائي في الفيسبوك السؤال التالي: ايهما اخطر: الاستبداد ام الفساد؟ شارك عدد كبير من القراء بالاجابة عن هذا السؤال. فقال ٣٦ منهم ان الاستبداد اخطر، فيما قال ٢٦ ان الفساد اخطر. وقدم عدد كبير اخر اجابات غير مباشرة وبعيدة عن مقصود السؤال من مثل ان الاستبداد والفساد احدهما ينتج الاخر. والواضح ان هذا الجواب ربما يتعلق بسؤال لم اطرحه وقد يكون: ما هي طبيعة العلاقة بين الاستبداد والفساد؟ وهذه مسألة اخرى. وفي الواقع نحن نواجه هذه المشكلة كثيرا في استطلاعات الرأي حيث ينتقل ذهن الانسان الى موضوع اخر ليس متضمنا في السؤال المطروح.

كشف الاستطلاع عن ان عددا كبيرا من الناس يرون ان الاستبداد اخطر من الفساد. لكن الذين رأوا ان الفساد اخطر يمثلون عددا معتدا به ايضا. في حين بقي عدد كبير اخر خارج دائرة البحث لعدم ادراكهم لموضوع السؤال.

من ناحيتي اعتبر الاستبداد، الذي هو، كما كتب عبد الرحمن الكواكبي سنة ١٩٠٢ "صفة للحكومة المطلقة العنان فعلا او حكما، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين"، اعتبره اخطر من الفساد لعدة اسباب.

السبب الاول منها ان الاستبداد يعني مصادرة اهم خاصية من خصائص الانسان وهي الحرية. والحرية من المقومات الاساسية لبناء مجتمع انساني متحضر وسليم، وهي من شروط التقدم. ولذلك لا يمكن التخلي عنها باي ظرف من الظروف. وقد دلت التجارب التاريخية ان الاستبداد قد يستطيع خلق التقدم لفترة وجيزة من الزمن لقدرته على حشد الموارد قسريا.

لكن هذا النوع من الانجاز المستند الى الاستبداد منخور من الداخل، ويحمل بذرة فنائه في داخله وهي "العبودية". فالعبودية ليست هي الحالة الطبيعية والصحية التي يكون عليها المجتمع، لانها تمثل خللا حادا في المركب الحضاري للمجتمع ومنظومة القيم الحافة بعناصره الخمسة. والعنصر الاول هو الانسان. والمقصود هنا هو الانسان الحر. فالانسان العبد، المستعبد، لا يمكن ان يكون عنصرا ايجابيا فعالا في المركب الحضاري. ولهذا كان الهدف الاول للرسالات السماوية والدعوات الاصلاحية في التاريخ هو تحرير الانسان.

السبب الثاني ان الاستبداد في حقيقته فساد او خلل حاد في المركب الحضاري والقيم الحافة به. فعلى رأس منظومة القيم يأتي مبدأ الاستخلاف، اي استخلاف الانسان في الارض، الذي ينبثق منه حق الانسان في السيادة المطلقة على نفسه و في تقرير مصيره.

وقد ادركت البشرية هذا الحق منذ اللحظات الاولى لاستخلاف الانسان في الارض، والذي يشير اليه القران الكريم بقوله: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً". ولهذا كانت المجتمعات الفطرية الاولى تعيش حالة السلطة الاجتماعية المباشرة، التي يعرفها جان وليام لاپيار في كتابه "السلطة السياسية" بانها تلك "التي تفرض نفسها على كافة اعضاء المجتمع، دون ان يتولى ممارستها احد منهم.

في هذه السلطة ما من احد يأمر ولكن الجميع يطيعون". كان هذا هو الشكل الاولي للديمقراطية التي ظهرت في المجتمعات القروية الزراعية الصغيرة في بلاد النهرين، قبل ان تتعقد المجتمعات البشرية وتظهر الاشكال الاخرى من السلطات ومنها السلطة الاستبدادية.

السبب الثالث ان الاستبداد كان دائما حاضنة الفساد، لان الاستبداد يضع الثروة وشروط الانتاج بيد السلطة الاستبدادية. واذا كانت السلطة مفسدة، فان السلطة الاستبدادية تمثل اعلى اشكال الفساد السلطوي، الذي يمتد الى مختلف حقول المجتمع. الفساد ينتج امراضا كثيرة في المجتمع مثل عبادة الشخصية والفساد المالي والاداري والسياسي وغيرها.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق


التعليقات

Museeb Omari
Iraq
الاستبداد يحدد كما تفضلت الحريات وليس شرطا ان يرعى الفساد او ان يترعرع فيه الفساد.. ويعتمد على نوع المستبد.. المستبد الأميركي وهب الحرية لكنه نشر الفساد.. المستبد العربي لايقبل بالفساد لكنه يحدد الحريات.. شخصيا اميل إلى أن الفساد يخلق مافيات هي الأخرى تعمل على بقائها باستخدام التعسف بالاستبداد مع اعطاء الفرد حرية عدا ان تتكلم عن فساده.. إذن الفساد أخطر.. بالمناسبة تطبيق القانون نوع من انواع الاستبداد لتقييد الحريات فلو حظينا بقائد يتولى ذلك لاعتبره البعض مستبدا لانه قيد حريته تجاه الفساد والباقي سيعتبره مستبد متعسف لانه يعارض الرغبه الفوضويه في نفسه وهؤلاء السواد الأعظم.. ولن يبقى معه إلا من يحرص على الحق وهم القله النادرة2022-01-20