بعد الأشهر الأولى من سقوط النظام السابق أجرت إحدى الفضائيات حوارا مع القائم بالأعمال اليابانية في بغداد، وفي نهاية الحوار طلب المذيع من المسؤول الياباني أن يقدم أفضل نصيحة للشعب العراقي الذي خرج من حرب اسقطت النظام، وحروب سابقة دمرت بنية اقتصاده.

بهدوء أجاب القائم بالاعمال اليابانية قائلا: إن وضعكم يشبه وضع اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، لقد عملنا بإخلاص وباقل ثمن، وعليكم ان تعملوا ايضا بإخلاص من دون التفكير بمقابل لعملكم حتى تتجاوزوا هذه المحنة.

يبدو أن المصائب السياسية لا تعلم الشعوب درسا جيدا في الخروج منها، وليست الدول كلها تعرف كيف تتجاوز محنها، ومن المؤسف ان نصيحة ذلك الياباني ضاعت مع الوقت، ولو انه يتابع ما يجري الان من صراع سياسي ومحاصصة، وقضايا فساد واغتيالات فانه سيدرك ان الديمقراطية لم تغير مزاج السياسيين كثيرا، وان المحاصصة وتقسيم المناصب هما مرض هذه الديمقراطية الهشة.

لو توقفنا عند احداث الساعة نجد انفسنا امام موفقين: الاول يصر على حكومة توافقية، وهو موقف الاطار التنسيقي، والثاني يصر على تشكيل حكومة اغلبية وطنية، وهو موقف السيد الصدر.

ما معنى هذا؟، معناه اننا امام مزاجين مختلفين جدا، المزاج الاول يريد ان نبقى في دائرة المحاصصة، اما المزاج الثاني فيسعى لكسر هذا التقليد السياسي الذي كان سببا في تدمير قدرات البلد طوال الاعوام الماضية.

بلا شك أننا في امس الحاجة اليوم الى من يعمل بنصيحة ذلك المسؤول الياباني، ولا اظن ان احدا منا كان يتخيل ان سقوط النظام السابق سيقودنا الى مشكلات سياسية لا تنتهي، ولم نكن نتوقع ان الصراع على المناصب سيستمر كل هذا الوقت الذي كلفنا مزيدا من الأرواح والأموال.

لقد توحد العراقيون في صراعهم مع النظام السابق، الجميع كانوا يعارضونه بمختلف الوسائل، كنا في الداخل نرفض ان ننتمي لحزب البعث، كانت هذه اصغر ذرة في معارضتنا، وبعد سقوطه السريع لم يوحد هدف بناء الوطن الاحزاب السياسية، كما وحدها هدف معارضة النظام، وفي رأيي ان الهدف الاول اعني بناء الوطن هو أسمى ما نسعى اليه جميعا.

كان من المنطقي جدا ان يكون كره الاحزاب السياسية للدكتاتورية سببا جيدا لبناء الوطن لا ان نكون منقسمين بين مزاجين سياسيين.

لكن الانقسام هو نتاج السياسي البليد، ان البليد هو شخص بطيء الفهم وخامل وكسول. هكذا تعرفه القواميس. واذا اختبرنا هذه الصفة في الاشخاص فمن الممكن ان نقول ان البليد هو ذلك الشخص الذي ينظر الى الواقع من خلال زجاج سميك بحيث لا يثير فيه هذا الواقع اي شعور. ومن هنا تختلف بلادة الشخص العادي الذي نصادفه هنا وهنا عن بلادة السياسي.

قد يكون الطبيب بليدا بحيث ينظر الى مرضاه على انهم آلات اصيبت بعطل وعليه ان يصلح ذلك العطل كي تدور آلة الجسم. انه يفحصهم بصمت، ويكتب “راجيتة” العلاج بلا مبالاة واضحة. وبعد ان يخرج المريض من غرفة الطبيب يدخل مريض آخر وتجري العملية نفسها.

استاذ الجامعة قد يكون بليدا ايضا حين يسجن في ورق محاضرته، وحين يكون طلبته مجرد ارقام لا اكثر. في هذه الحالة ينعزل الاستاذ الجامعي في عالمه الخاص، وتموت فكرة صناعة تلاميذ يبشرون بثقافة خاصة تعلموها من استاذ ملهم.

اخطر بليد في العالم هو السياسي ان تمتع بهذه الصفة. سيكون قادرا على مواجهة اصعب المآسي دون ان يشعر بان شيئا قد حدث. هو محصن جدا ضد الشعور بالقلق والالم والانزعاج. وعنده دائما تبرير لكل ما يقع دون ان تصدمه النتائج السنوية لاعداد المنتحرين او ضحايا الارهاب او صفقات الفساد.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق