تتعرض الأمم والشعوب إلى تحديات مختلفة بعضها طبيعي كالكوارث والزلازل، وبعضها الآخر تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وحضارية، داخلية وخارجية. ويختلف تأثير هذه التحديات على الأمم والشعوب، باختلاف النظام القيمي الحاكم في تلك الشعوب والأمم.

فالمنظومة القيمية بمبادئها ورموزها، وتأثيرها الجمعي المتغلغل في حركة اللاشعور لدى الإنسان، هي التي تحدد مقدار التأثير ونوعيته.

من هنا فإن أخطر ما يواجه الشعوب ليس تلك التحديات الطبيعية، لأن الإنسان بعقله وإرادته وتصميمه استطاع أن يحول تلك التحديات الطبيعية إلى عتبات يرتقي بها سلم التطور والحضارة، كما أن الإنسان بكفاحه وعمله قادر على إصلاح ما دمرته الطبيعة وكوارثها.

وليس الخطر الناجم أيضاً من التحديات العسكرية والسياسية الخارجية، لأن توحد الشعب وإيمانه بعدالة قضيته. يجعلانه يبذل كل ما في وسعه لرد ذلك التحدي واستثماره في سبيل تصليب الجبهة الداخلية للمجتمع.

لذلك يبقى التحدي الأصعب، الذي يواجه الشعوب والأمم، ويدخلها في حروب ذات عناوين مختلفة، هو تحدي الحرب المنظمة لمسخ ذاكرة الشعب الجمعية. وجعله بلا تاريخ وذكريات. هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه الشعوب، ويجعلها شتاتاً بشرياً، اختلافاته ونزاعاته تملأ كل حاضرة، وتعيق كل حركة تطور تجري فيه.

والمقصود بالذاكرة الجماعية هي: منظومات القيم، وأنماط التفكير، وضابط السلوك الفردي والاجتماعي.

وتختلف ردود أفعال الناس تجاه هذا التحدي، فبعضهم يهرب إلى السموم البيضاء كمهرب نفسي وعقلي من مسخ الذاكرة الجمعية. والآخر يهرب إلى طقوس السحر والتنجيم كملاذ من تداعيات غياب الذاكرة الجمعية أو تشوهها.. والثالث يعيش الاضطراب والفوضى المفهومية والمعرفية في حياته الفكرية والاجتماعية، دون أن يصل إلى أرض صلبة، يعتمد عليها، وينطلق من قيمها المرجعية في تقويم الأمور. وتحديد الموقف من القضايا والاشكالات.

والقليل من الناس، الذي يبقى متشبثاً بذاكرته الجمعية، ويسعى بوعيه ونشاطه الثقافي والأدبي والفني لإبقاء الذاكرة الجمعية حية وبعيدة عن التلوث والتشوه أو الضياع والمسخ.

ولهذا نجد ان الثقافة والأدب والفن كانا في كثير من الأحيان النشاط المتراكم، الذي يهدف حفظ ذاكرة الأمة الجمعية. وخطوط الدفاع الأصيلة، أمام حروب الهوية والذاكرة التي تجري في العالم.

فالمثقف كان يسعى في انتاجه الثقافي والمعرفي، إلى إعادة قيم الأمة إلى الحياة. والأديب يقوم بإعادة احياء وجدان الأمة وضميرها، والفنان يسعى نحو ربط حاضر الأمة بماضيها المجيد. لذلك كانت الثقافة، والأدب بأجناسه وأشكاله المتعددة. سلاحاً فعالاً لدى الأمم والشعوب لرد الحروب المنظمة والغزوات المتلاحقة، التي كانت تستهدف إلغاء ذاكرة الأمة الجمعية من الوجود، وتعطيل آثارها الاجتماعية والحضارية..

ولابد من القول في هذا المجال: ان الكثير من الحروب المعاصرة، والتمزقات الوطنية الداخلية، هي من جراء الذاكرة الجمعية المضادة، التي حاول أعداء الأمة صناعتها وتثبيتها في أذهاننا ومناهجنا العقلية والفكرية.

إذ تقوم الذاكرة الجمعية المضادة، من زرع الكراهية بين أبناء الوطن الواحد، تحت مسميات مختلفة وعديدة، وتغذي عقل الإنسان بأوهام بعيدة كل البعد عن أصول المعرفة والحقيقة.

ولأن هذه الذاكرة لا تستوعب كل الشرائح والفئات الاجتماعية.. لذلك فإن الشرائح والفئات المتبقية خارج دائرة الذاكرة المضادة لتاريخها وحاضرها، تندفع إلى الانطواء على الذوات الأضيق كالذات العائلية أو الجهوية أو المهنية.

ومن هنا تبدأ التمزقات، وتتأسس عوامل الخلاف والصراع.. وإن الحركة الاستعمارية ما استطاعت النفاذ إلى بلداننا وواقعنا الحضاري إلا على انقاض تفكك الذاكرة الجماعية لشعوبنا وأنظمتنا السياسية والاجتماعية والثقافية.. كما أن غياب الذاكرة الجماعية ذات التأثير المباشر على مسيرة الإنسان في وطننا العربي والإسلامي، هي التي أوصلتنا إلى مستوى الانهيار الشامل في كل أبنيتنا وأنظمتنا، وأوصلتنا إلى حالة "توتر دائم وصدام وعدم رضا واستلاب وهيجانات ونزاعات لا حل لها، تدفع الفرد لأن يقف تجاه الفرد الآخر بدون لغة، بدون مقال، بدون قناعة وإرادة وثقة وبدون ساحة للاتصال غير العنف، العنف الذي يميز كل العلاقات في مجتمع فقد كل معايير مشتركة أخلاقية. العنف الذي يفرق بين الأبناء والآباء بين الجيل والجيل، بين النساء والرجال، بين المثقفين والعوام، بين القبائل والعشائر والطوائف والمناطق والأقاليم، بين الإنسان وذاته (د. برهان غليون، مجتمع النخبة ـ ص27).

ومن هنا فإن الحل الاستراتيجي للكثير من التمزقات والفروقات. هو في إعادة صياغة الذاكرة الجمعية للأمة، مستخدمين في سبيل ذلك كل أدوات العلم والمعرفة والتكنولوجيا الحديثة.

لأن الذاكرة الجمعية هي التجسيم الأعلى والمتطور للطموحات الإنسانية وأسماها.. وهذا لا يعني أنها قيماً مطلقة تجريدية فحسب، بل هي قيم إنسانية حضارية تهدف إلى السمو بمكانة الإنسان الفرد والمجتمع. فهي مكون حضاري، يسعى نحو ايصال البشرية أفراداً وجماعات إلى مراتب عليا من الكمال الإنساني. لأنها تحمل في داخلها عناصر حيوية وتصورات ومفاهيم محفزة لعمليات النشاط في الميادين المختلفة.

والجدير بالذكر في هذا الاطار، ان العالم الأوروبي والغربي عموماً، لم يدخل عصر الأنوار ويبدأ ثورته الصناعية الكبرى، إلا على قاعدة تأسيس ذاكرة جمعية جديدة لعموم المجتمعات والقوميات الأوروبية..

وبهذه الذاكرة استطاعت هذه الدول، من التخلص من رواسب الحروب الأهلية والقومية، التي عانت منها البلدان الأوروبية لعدة قرون..

ومن هنا وفي اطارنا العربي والإسلامي، فإن بداية العمل السليم للتخلص من رواسب الماضي وسيئات الحاضر، هو العمل على تأسيس ذاكرة جمعية جديدة، بقيم ومبادئ يتراضى بها الجميع، ويبدأ تفعيلها في الكيان المجتمعي العام.. وتتم عملية تأسيس الذاكرة الجماعية الجديدة عن طريق: احضار القواسم المشتركة العقدية والتاريخية والوطنية إلى الحياة المعاصرة، إذ انه مهما بلغت التناقضات بين الفرقاء، إلا ان هناك قواسم مشتركة تجمعهم جميعاً.

لهذا فإن تأسيس ذاكرة جمعية جديدة، تقتضي احضار هذه القواسم، وبث الحياة فيها، وفسح المجال لها للعمل والتحرك سياسياً واجتماعياً وثقافياً..

كما أن الحاضر بقيمه الإنسانية وتحدياته الحضارية، وتطلعاته الكبرى، يشكل بشكل أو بآخر قاعدة ومنظومة معرفية، يتمكن الإنسان أن ينتزع منها قيماً ومبادئ ودعوة فرقاء المجتمع الواحد والوطن الواحد للتسالم عليها والتراضي بها كإطار مرجعي مؤسسي لجميع ابناء المجتمع والوطن الواحد..

وبهذا يبدأ الجميع في بناء وطنهم ومجتمعهم، وفق الاختبارات الكبرى التي يستظل بها الجميع، ويعتبرها مطمحه الإنساني.

والذاكرة الجمعية لكل مجتمع وأمة، بحاجة دائماً إلى عملية تنشيط وتحريك، حتى يتسنى للراهن الفاعل أن يثريها بمضامين وآفاق جديدة. بمعنى أن جمود الراهن وتكلس الحركة الاجتماعية المعاصرة، يضر بالذاكرة الجماعية. وذلك لأنه يؤسس لانفصام عام بين المثال المختزن في الذاكرة ومنطقة اللاوعي وبين الراهن الذي يعاني من اعضالات وأزمات تحول دون فعاليته وحيويته. لذلك فإن عملية تنشيط الذاكرة الجمعية. تتم عن طريق تفعيل راهن المجتمع ودفع عناصر القوة فيه لممارسة دورها ووظيفتها في البناء والتقدم.

فحيوية الراهن وفعالية المجتمع، هي البيئة المواتية، والتي تقدم ضمانات أكثر وضوحاً لكي تمارس عناصر ومفردات الذاكرة الجماعية دورها الايجابي والمطلوب في اللحظة التاريخية. وذلك لأن هذه الحيوية والفعالية، تحول دون الاستغراق الشكلي والفوقي في التعامل مع مفردات الذاكرة الجماعية. فالاضافة النوعية إلى الذاكرة عبر تطوير راهننا، هو العمل الحضاري المطلوب لإثراء هذه الذاكرة والانعتاق من كل أشكال العلاقات المرضية مع الذاكرة الجماعية. فبدون تطوير الراهن وتنميته. لا يمكن تنظيم العلاقة بين واقعنا وذاكرتنا الجماعية. فتطورنا وحيويتنا وفعاليتنا، هي التي تؤسس لعوامل وأسباب العلاقة المطلوبة مع الذاكرة الجماعية. وبدون ذلك ستبقى علاقتنا مع الذاكرة الجماعية علاقة فصامية، مترددة ومضطربة. وبدون معايير وضوابط حضارية.

اضف تعليق