يعيش العالم العربي والإسلامي اليوم موجة من المراجعة النظرية والفكرية لمجمل الاختيارات الكبرى، التي بنت عليها الدول والجماعات استراتيجياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وهذه المراجعة تعبر وتكشف لنا بوضوح عن ضرورة بلورة الإجابة النظرية العربية ـ الإسلامية عن مشكلات العصر. لأنه وبفعل التعاطي المغلوط مع الراهن والحضارة الحديثة، ساهمت مجتمعاتنا بشكل أو بآخر في تعميم المشروع الثقافي الغربي عبر سلاح التكنولوجيا والتقنية الحديثة ووسائل الإعلام والتواصل الحديث وما شاكل ذلك.

وإن الفضاء الاجتماعي الذي يتشكل من جراء هذه العلاقة المغلوطة مع الحضارة الحديثة ومكتشفاتها ووسائلها، هو فضاء يعكس متغيرات عدة وتتجمع تناقضات شتى، هو فضاء تزاحمه أنماط من الحياة والاستهلاك والقيم ليست بالتقليدية أو الأصيلة. إذ تتلاقى عناصر مختلفة وغير متجانسة داخل نفس الفضاء الاجتماعي.

وهذا التعايش بالطبع ليس تعايشاً طبيعياً، لأنه يكشف توتراً وازدواجية داخل النسق الاجتماعي. وإن الاخفاق الحاصل في العالم الثالث في اللحاق بركب الحضارة الحديثة، يمكنه أن يعزى إلى الإغفال التام أو الجزئي إلى العوامل الاجتماعية والثقافية، التي تحكم التكوين لدى الشعوب في ميدان التواصل بكل طرقه وأشكاله مع الحضارة الحديثة. وبسبب هذا الإغفال يتم استعارة النظريات الغربية في التطوير والتقدم الاقتصادي والاجتماعي.

لهذا ينبغي أن نفتح العيون باتجاه الداخل، ونقصد بذلك أن نحاول استنفار كل أشواقنا وارادتنا في التمايز مع الغرب، لنرى ما إذا كانت هناك زاوية في بنياننا الاجتماعي والفكري والاقتصادي قد اختبأت فيها قيم الغرب ومبادئه.

وليست الدعوة إلى التمايز على المستوى الحضاري مع الغرب، انفعالاً معاكساً للدعوة إلى الذوبان والتماهي في الغرب. إن هذه دعوة ساقطة موضوعياً ومستحيلة التنفيذ. إننا ندعو إلى التمييز بين مستويين من حضور الغرب في واقعنا كعالم عربي ـ إسلامي تعرض للعملية الاستعمارية التي أصابت قدراً من النجاح وكان لابد لها أن تمارس نوعاً من التعطيل لإمكانياتنا في الفكر والعمل.

من هنا فإننا لابد أن ننشغل بالكشف والمكاشفة، وأن نعمل ضمن برنامج متواصل لاكتشاف مواقع الاختراق الغربي ليكاننا. وإن المهمة الأساس التي لابد من إنجازها، هي توفير الأرضية النفسية والفكرية، التي تؤهلنا للتعرف على خصائصنا الحضارية والقيمية والانطلاق بمنهجها وأدواتها المعرفية في فهم الواقع والآخرين.

وبالتالي فإن الجهد الذي نبذله في سبيل المعرفة والتواصل مع الحضارة الحديثة، يكون جهداً شمولياً يعمق الوعي ويزيده، ويثري الساحة الراهنة ويبلور خيارات المستقبل.

أما المفردات التي تساهم في ضبط إيقاع الفضاء الاجتماعي في هذا الإطار فهي:

1) الانفتاح: إن قطع العلاقة مع الآخرين والاعتراف بعدم وجودهم التاريخي أو المعرفي، هو موقف لا يمكن الركون إليه والاعتماد عليه، لأن وجود الآخرين وتاريخهم ومعارفهم وحقائقهم المتعددة، من الوقائع الثابتة التي لا يمكن نكرانها أو التغافل عنها.

كما أن الذوبان في ثقافات الآخرين وتجسيد قيمهم وأنماط حياتهم، يعني الانسلاخ والاستلاب على مستوى الذات.

لذلك فإن نقطة البداية في منهج تواصل الفضاء الاجتماعي مع قيم التقدم والمعاصرة، هي الانفتاح عليها لا تقليدها أو الذوبان فيها. والجدير بالذكر: أن الأرض الاجتماعية تكون خصبة لعمليات الاختراق الثقافي والتخريب الفكري والنفسي، حينما يتغلق المجتمع ويعيش الانطواء، ولا ينفتح على غيره من المجتمعات والأمم. وفي المقابل نجد أن المجتمع المنفتح، استطاع أن يوقف عمليات الغزو والاختراق والتخريب أو يحد من فعالياتهما وآثارهما السلبية.

2) الاعتزاز بالمضمون الحضاري للأمة: إذ ان من الأخطاء المنهجية التي وقع فيها الكثير، الذين درسوا واقع المجتمعات والتواصل مع قيم التقدم والمعاصرة، هو أنهم درسوا هذا الواقع بمناهج مغايرة ومتمايزة جوهرياً مع الظاهرة التي أخضعت للدراسة. وإن الاعتزاز بالمضمون الحضاري للأمة، لا يعني الجمود والنصية الحرفية واللاتاريخية والاطلاقية الكاسحة كما يزعم البعض. بل هو (الاعتزاز) تأكيد للهوية وإبراز لإنسانية الإنسان وعمقه الروحي والثقافي وخصوصيته الحضارية. وهو رؤية وسلوك ومنهج يحمل الملامح الجوهرية والإنسانية للإنسان، وتعبر عن تطلعه الروحي وطموحه المادي في السيطرة على الطبيعة واكتشاف أسرارها ونظم عملها وتسخيرها لخدمة الإنسان في هذا الوجود.

فالمضمون الحضاري للأمة، هو قوة رفض اجتماعي لظاهرة التخلف بكل أبعادها ومستوياتها، كما أنها مصدر للاستنارة والإبداع وتأكيد الوعي والهوية.

ولا بد من القول في هذا المجال: ان الإسلام في حركته نحو بناء الحضارة، لا يدمر الإنجازات البشرية السابقة ولا المكاسب الحضارية التي تراكمت عبر الأجيال. وإنما يستفيد منها ويهذبها بما ينسجم وروح الإسلام وقيمه الكبرى.

3) المعرفة بالآخرين: إذ ان المعرفة شرط الفهم والتقويم الدقيق. كما إننا نرفض من الآخرين تركيب صور خارجية وإلصاقها بالعرب والمسلمين، كذلك نحن لا يمكننا أن نقوم بذات العمل. وإنما ينبغي لنا معرفة الآخرين (أفكار، تصورات، سياسات، اتجاهات، قوى.. إلخ) حتى يتسنى لنا الحكم الدقيق على مسيرة الآخرين وثقافتهم وحضارتهم. ولقد كانت قوة الإسلام في الماضي نابعة من قدرته الاستثنائية على أن يتأقلم مع الظروف المتغيرة، وأن يتماشى مع التاريخ، وينفتح بالمرونة المطلوبة على كل أنواع التبادل والتواصل الإنساني الفكري والروحي. أي رفض الانغلاق وجهل الآخرين والانكفاء على الذات، وكان لهذا السبب الإسلام دين الفتح الروحي والجغرافي والتاريخي.

وعن طريق هذه العناصر، التي تشكل خريطة متكاملة يتم استحثاث الجهود الداخلية لتبدأ مسيرة النمو الذاتية في الجسد العربي والإسلامي، يكون في محصلتها النهائية حركة دائمة وسيرورة متجهة نحو التقدم، لتجاوز الحال إلى المؤمل والواقع إلى الطموح.

وبهذا نؤسس منطقاً ينسجم وخصوصياتنا الحضارية، من أجل إيجاد منظور مستقبلي لتجاوز سلبيات الحداثة الغربية، واستيعاب عناصر الإيجاب في مسارها، لتحقيق عملية التراكم المطلوبة في عملية التقدم الإنساني.

فقيم التقدم لا تباشر دورها المأمول، من دون حوامل اجتماعية وثقافية، تأخذ على عاتقها تجسيد هذه القيم، وتوفير سبل وأطر تمثلها في المحيط المجتمعي.

وتقدم الأمم والمجتمعات، لا يقاس إلا بمدى توفر الفضاء الاجتماعي الحاضن والحامل والمدافع عن قيم التقدم والمعاصرة. بمعنى أن التقدم الإنساني، بحاجة إلى جهود متواصلة، وثمن إنساني ينبغي أن يدفع من أجل إنجاز التقدم في الفضاء الاجتماعي. ولا يمكن أن يتحقق التقدم بدون الثمن الإنساني والاجتماعي، الذي ينبغي أن يدفع جهداً وسعياً وكفاحاً في سبيل إرساء دعائم التقدم وتوفير أسبابه وتعميق عوامله وحاجاته في الفضاء الاجتماعي.

والأمم المتقدمة لم تنجز تقدمها صدفة أو مجاناً، وإنما عملت القوى الاجتماعية الحاضنة لقيم التقدم وكافحت ودفعت الثمن الضروري لإنجازها وتطلعها. فلا يكفينا اليوم أن نحمل شعار ويافطة التقدم. أو نطالب ببعض مفرداته وعناصره، وإنما نحن بحاجة وبشكل دائم إلى تجسيد هذه القيم. وتجذيرها بالقول والممارسة في فضائنا الاجتماعي.

اضف تعليق