باتت فوضى حمل السلاح في الولايات المتحدة الأمريكية ثقافة راسخة، حيث تشهد كل يوم تقريباً حوادث إطلاق نار... وفي هذا السياق أعلنت الشرطة أن ثلاثة أشخاص قتلوا وأصيب رابع بجروح خطيرة في إطلاق نار في متجر في منطقة دالاس بولاية تكساس. وأفادت الشرطة الأمريكية أن إطلاق النار وقع ليل الأحد الماضي، في ضاحية غارلاند في دالاس وتم تسجيله في شريط فيديو للمراقبة، وفقا لشبكة "إيه بي سي نيوز". وأفادت الشرطة بأن رجلا خرج من شاحنة بيضاء صغيرة، ودخل المتجر وفتح النار، ثم عاد إليها مرة ثانية وفر مسرعا.

قبل كل شيء، لابد أن نؤكد أنّ الأخبار التي تتداولها وسائل الإعلام عن وقوع حوادث إطلاق نار في الولايات المتحدة لا تعتبر مستغربة أو جديدة، فهي تعتبر من أحد السمات البارزة للمجتمع الأمريكي باعتبار حق حيازة السلاح حرية فردية وميزة للديمقراطية الأمريكية، إلا أن تواتر وقوع مثل هذه الحوادث التي يستفيق عليها الأمريكيون بشكل شبه يومي تسارع منذ العام الماضي، وفق ما كشفته بيانات رسمية، فقد كشفت مديرة فريق الرعاية الصحية في مكتب المساءلة الحكومية الأمريكية "كارولين اليوكوم" أن العنف المسلح يكلف الولايات المتحدة نحو 300 مليار دولار في العام.

وذكرت شبكة "اي بي سي نيوز" أنه وفقاً لبحث أجرته مجموعات حكومية ونشطاء بعد تجميع البيانات العامة المتاحة ومراجعتها بداية من فواتير المستشفيات وفقدان الأجور حتى خسارة الإنتاج، فإن العنف المسلح يكلف الولايات المتحدة 280 مليار دولار في العام. وأوضحت "اليوكوم" أن أكثر من 194 ألف شخص قتلوا في أعمال عنف مسلح في الولايات المتحدة خلال الأعوام الخمسة الماضية بمعدل 39 ألف حالة وفاة سنوياً.

نغوص عميقاً في الإحصاءات، فنكاد نختنق من هذه الأرقام الصادمة التي هي نتيجة وسبب لثقافة الانحلال والانفلات الأخلاقي التي لا يزال تروج لها أمريكا والغرب تحت مسميات وعناوين مختلفة، منها على سبيل المثال لا الحصر (الليبرالية الحديثة) التي تعد الأخطر في أهدافها ومفاهيمها وغاياتها التخريبية. فهل يعلم أولئك الذين يصفقون لتلك المفاهيم الأمريكية الغريبة عن مجتمعاتنا تحت عنوان (التحضر والحضارة) أن هناك واحدة من أصل ثلاث نساء في أمريكا وحدها تعاني العنف الجسدي أو الجنسي، وأن ثلاث نساء تقتل يومياً بسبب العنف المنزلي وأن هناك (24) مليون امرأة تمارس البغاء، وأن هناك (8) جرائم قتل كل (19) دقيقة، و(2) جرائم اغتصاب كل (7) دقائق، و(3) حالات سطو مسلح كل (59) ثانية، وهناك (257) ألف طفل يتم إجهاضهم، وهناك (21) مليون طفل يولدون بشكل غير شرعي أي لا يعرفون آباءهم، وكل ما سبق يجري تحت رعاية الأيدلوجيات الغربية التي يصدرونها إلى مجتمعاتنا رغماً عنا. وهناك (32) ولاية أمريكية من أصل خمسين ولاية تعترف قانونياً بزواج المثليين جنسياً، حيث تضاعفت أعداد المثليين لتصل إلى (33 في المائة) من أفراد المجتمع بعد تبني النموذج النيوليبرالي. مسؤولة الأمن القومي السابقة بوزارة العدل الأميركية ماري ماكورد، صرحت في آب 2019 أن ما تشهده الولايات المتحدة من عنف مسلح يمثل "مشكلة أخلاقية".

وللأسف، فالعلاقة الفريدة التي تجمع الولايات المتحدة بحيازة الأسلحة، سخرها الدستور الأمريكي ذاته حيث انتشرت ثقافة حق الفرد في حيازة سلاح ناري برعاية القانون كإحدى مفرزات الليبرالية الحديثة التي تعطي الفرد حرية منفلتة من أي ضوابط والتي تهدد المجتمع الأمريكي والأسرة ولا سيما في ظل انتشار أعمال العنف والانتحار وجرائم القتل الجماعي. في الولايات المتحدة يمتلك الأمريكيون بين 300 و350 مليون قطعة سلاح فردي للدفاع عن النفس، وهذا ما يجعل من الولايات المتحدة إحدى أكثر دول العالم خطورة من حيث انتشار الجرائم وأعمال العنف المختلفة، وأكثر من ذلك، لم توفر موجة إطلاق النار الشباب والأطفال حتى في جميع أنحاء الولايات الأمريكية، فقد أودى إطلاق النار بحياة نحو 300 طفل في عام 2020، وفقاً لبيانات أرشيف العنف ضد الأسلحة النارية، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 50 في المائة عن العام الذي سبقه، وقد قتل أو أصيب أكثر من 5 آلاف ومائة طفل ومراهق بعمر 17 سنة، في العام الماضي، أي أكثر من 1000 حالة مقارنة مع أي عام آخر منذ العام 2014. والجاذب للانتباه في هذا السياق، أن معدل إطلاق النار الجماعي في عام 2020 كان واحداً كل 73 يوماً، مقارنة بواحد كل 36 يوماً عام 2019، وبواحد كل 46 في عامي 2017 و2018.

لقد تعالي الأصوات الأمريكية المندّدة بتسيّب السلاح وبيعه دون قيود، وللإشارة إلى خطورة العنف المسلح كظاهرة متنامية لا يمكن إغفالها، وهو ما دفع مجموعة "ساندي هوك بروميس" العاملة في إطار منع العنف بالأسلحة النارية إلى القول: "لا يمكن إنكار أن هناك مجتمعات عديدة في جميع أنحاء الولايات المتحدة تتعامل مع العنف بشكل مستمر في مجال الأسلحة النارية، إذ بات هذا العنف يشكل جزءاً من حياتها اليومية وفي ظل عدم تسليط الضوء والاهتمام الوطني على هذه الظاهرة فإنها ستبقى مستمرة، وأنها في ازدياد حالياً وبنسب مرتفعة، وهناك العديد من العوامل والظروف المساعدة على ذلك". ووفق مختصين في الشأن الأمني فإن "الفيضان" من الأسلحة النارية هو العامل الأكثر تأثيراً في انتشار ظاهرة العنف المسلح داخل أمريكا، وقد وصفت إحدى الدراسات الحديثة العنف بالأسلحة النارية بأنه "أزمة صحية عامة ممتدة على مدى عقود من الزمن".

ورغم وعود بايدن بتشديد قوانين حيازة السلاح، إلا أن كثيرين يعتبرون مهمته هذه شبه مستحيلة في بلد يمتلك أسلحة أكثر مما يمتلك من المواطنين، ومنذ توليه الحكم وقعت عدة حوادث قتل، وقد أعلن بايدن أسفه لحدوثها، معتبراً أن هذا القتل الجماعي وباء لا يقلّ خطورة عن مكافحة وباء الكورونا، وأنه ينتظر موافقة مجلس الشيوخ على ما وافق عليه مجلس النواب من قرارات خاصة بحظر الأسلحة وكشف سجل جنائي للشخص قبل حيازة السلاح، لأن هذه الأحداث -حسب وصفه- المتكررة هي ثقب في الروح الأمريكية ووصمة عار لشخصية أمريكا أمام العالم. وبحسب مختصين في الشؤون الأمريكية لن تلقى الإجراءات التي يحاول بايدن اتخاذها التوافق بسهولة داخل الكونغرس، فأحد الأشياء الأساسية للجمهوريين ولليمين المعارض لبايدن هو ثاني تعديل في الدستور الأمريكي والذي يضمن حق المواطن في حمل السلاح، بحجة أنه إذا لم يسمح القانون للناس بحمل السلاح بسهولة فإن المخالفين للقانون هم فقط من سيحملون السلاح. ويرى العديد من الخبراء الدوليين في مجال حقوق الإنسان أن حق حيازة السلاح للأشخاص في القانون الأمريكي "حرية أمريكية قاتلة".

إنّ دورة العنف المتصاعد في الولايات المتحدة، والتي يتبادل فيها المجتمع والسلطة الأدوار في ارتكاب الجرائم، تذكر مجدداً بالحالة التي تعيشها الولايات المتحدة في ظل أوهام "الليبرالية الحديثة"، فقد بات واضحاً وجلياً تلك الهوة الشاسعة بين الواقع السيئ الموجود والمستفحل داخل المجتمع الأمريكي، وبين ما تحاول تسويقه وتصديره إلينا أمريكا، على أنه حضارة وحرية وتطور يساهم في إعطاء مساحات وفُسح جديدة للحريات والحقوق، فيما الواقع من الداخل يكشف ويؤكد عكس ذلك تماماً...!

ما سبق هو أنموذج واحد لما يعرف بالليبرالية الجديدة وثقافتها ومنهجها وهو النموذج الأمريكي الذي يبدو أكثر انكشافاً ودلالة ووضوحاً، وسوف نأتي لاحقاً على نماذج غربية أخرى تعري الأهداف الحقيقية لكل ما يصدِّره إلينا الغرب الاستعماري تحت شعارات وعناوين خادعة وزائفة باتت غاياتها وأهدافها مكشوفة وواضحة...

* كاتب صحافي من المغرب

اضف تعليق