الأزمة العراقية تكاد تكون مستعصية، بل وصلت إلى حالة انسداد أفق، وفي الدراسات المستقبلية ثمّة سيناريوهات عديدة ويمكن الحديث عن ثلاثة منها: أولها – سيناريو التفتت، وهناك التفتت الواقعي حيث تتحوّل الدولة إلى كانتونات ودوقيات تحت عناوين "فيدراليات" لا يجمعها جامع مع النظام الفيدرالي المعروف وهو نظام متطوّر، وهذا السيناريو محتمل في الحالة العراقية.

أما التفتّت الآخر فهو التفتّت الرسمي وهو شكل للإنقسام أو الإنشطار وقد يتحقق بالقوة أو بعد احترابات ونزاعات مسلحة أو على نحو سلمي بالاتفاق بعد أن يصبح العيش المشترك مستحيلاً، وقد يحصل على اعتراف دولي وإقليمي.

مثلما هناك الانضمام أو الالحاق، إذ من المحتمل أن تسعى دول الجوار إلى ضمّ ما تبقّى من الدولة أو شطرها عند الانقسام باستخدام القوة أو تحت عناوين قومية أو مذهبية، وأعتقد أن الجارين إيران وتركيا جاهزين إذا ما سنحت اللحظة التاريخية، وخصوصاً دولياً، فأي تغيير جيوبوليتيكي يحتاج إلى ترتيبات دولية تضمن مصالح القوى الكبرى.

ثانيها – سيناريو الاستمرارية، أي بقاء الحال على ما هو عليه دون إحراز تقدّم يُذكر بسبب عوامل الكبح من جانب الجماعات المتضرّرة من التغيير، ولذلك تسعى هذه القوى للحفاظ على ما هو قائم. وما هو قائم إذا ما استمرّ على ما هو عليه فإنه يعني الانتقال إلى المرحلة الأولى، أي التفتّت التدرّجي أو الانتقال إلى السيناريو الثالث والمقصود بذلك التوحّد والتحسّن.

وثالثها – سيناريو التوحيد والتحسن، ويعتمد هذا على توفّر إرادة سياسية وقناعة من جانب القوى جميعها، بضرورة تحسين الحال بإعادة هيبة الدولة ونفوذها وتعزيز المواطنة بالتخلص من الطائفية وذيولها. وسيكون الأمر منوط الطبقة الوسطى ويقع على عاتقها العبء الأكبر، مثلما سيكون ذلك على عاتق المثقفين والأكاديميين والمجتمع المدني لقيام دولة مدنية عصرية بترسيخ قيم الحرية والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة.

السؤال المهمة هو هل يمكن اعتبار العراق في طريقه لأن يكون نموذجاً للمنطقة؟ حسب التوصيف العلمي، العراق دولة فاشلة، وهناك مؤشرات للفشل الناجم عن عوامل عديدة وأسباب مختلفة، فبعض القوى ما دون الدولة تتغوّل على الدولة، بما يضعف هيبتها ويمنعها من بسط سلطتها (سيادتها)، حيث تمتلك العديد من القوى السلاح وتستخدمه على نحو منفلت، وقاد ذلك إلى عدم إمكانية تطبيق حكم القانون، حيث تتصرّف قوى باسم مرجعيّات دينية أو طائفية أو إثنيّة أو عشائرية أو حزبية أو جهويّة أو مناطقية وكأن الدولة تابعة لها وليس العكس.

يضاف إلى ذلك استمرار هدر المال العام والفساد المالي والإداري، وما عزّز ذلك هو النظام الطائفي الإثني الذي أقيمت عليه الدولة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وهو الذي تجلّى بصيغة بول برايمر الحاكم المدني الأمريكي الذي كان المرجعية القانونية لمجلس الحكم الانتقالي، والتي أنتجت نظاماً يستند إلى الزبائنية السياسية المعتمدة على المغانم، وتكرّس هذا النظام دستورياً تحت عنوان "المكونات" التي جاءت في الدستور (مرّتان في المقدمة) وفي المواد 9 و 12 و 49 و 125 و 142 ، وليس ذلك سوى التقاسم الوظيفي الطائفي – الإثني. ولا أظنّ أن نظاماً من هذا النوع يصلح أن يكون نموذجاً.

ولعلّ مواصفات الدولة الناجحة هي "الشرعية السياسية" التي تقوم على رضا الناس وتحقيق المنجزات التنموية والخدماتية، لاسيّما في مجال الصحة والتعليم والعمل والبيئة والبنية التحتية تمهيداً "للرفاه الاجتماعي"، ولكي تكون الشرعية السياسية راسخة ومحكمة فلابدّ أن تتساوق مع "المشروعية القانونية" التي تقوم على "حكم القانون"، وكلاهما مفقودتان في العراق، أو في أضعف حلقاتها سياسياً وقانونياً.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق