يَرفدنا التراث العربي بحكايات عديدة، ذات بعد تعبيري وقيمي، يجعلها تستحق ان نتأملها للإفادة منها، ومن بين حكايات التراث تلك، واحدة، مفادها ان رجلا شهما، كان يسير في الصحراء على صهوة فرسه، واثناء سيره، شاهد رجلا متمددا على الارض، وبدا يتألم، فما كان من هذا الرجل الشهم إلا أن ترجل من فرسه واتجه اليه بقصد إسعافه، وقد اخبره هذا بأن عارضا صحيا اصابه ولم يعد يستطيع اكمال مسيرته الى اهله، فقام الرجل صاحب الفرس بحمله على ظهره او مساعدته ليضعه على صهوة فرسه، ويردفه معه ليوصله الى اهله، او الى اي مكان يتعالج فيه، وما ان استوى هذا على الفرس حتى لكزها وانطلق بها هاربا، تاركا صاحبها في الصحراء، بعد ان خدعه بتمثيله دور المريض، وهنا صاح به الرجل الشهم، قائلا، توقف يا هذا، انها فرسي والكل يعرفها، فان سألك احد عنها فقل ان صاحبها وهبني اياها، لكي لا تموت المروءة في الصحراء!

تداعت الى ذهني هذه الحكاية التي سمعتها من صديق، قبل سنين، وانا اتابع ما تبثه الفضائيات ووسائل الاعلام المختلفة، بشأن المناصب العليا في الدولة العراقية، التي باتت في ذمة التوافقات الاقليمية والدولية، وان هذا المنصب لن يحصل عليه فلان او فلان، مالم يحصل على رضا هذه الدولة او مباركة تلك، او ان هذه الشخصية غير مسموح لها بأن تتولى هذا المنصب، او ذاك، لوجود فيتو عليها من الخارج، وهكذا، صارت مثل هذه التقارير متداولة في الاعلام بشكل شبه يومي، او انها جزء من الاخبار العادية جدا، التي لا تثير حفيظة احد، او يراد لها ان تكون كذلك، بعد ان اصبح العراق مكشوفا على مستوى السيادة والاستقلال، وعلى مستوى هيبة الدولة الغائبة للأسف، مع انها يجب ان تكون متوفرة لأبسط دولة، تحترم نفسها.

ان سبب هذا التداعي الخطير في واقعنا السياسي، هو ان القوى السياسية العراقية التي اتت بعد الاحتلال، ظلت مرتهنة الإرادة لقوى خارجية، لها مشاريع متعارضة في العراق، اذ تعمل كل جهة على ان تجعل من العراق حديقة خلفية لها، ما جعل القوى السياسية العراقية، تعمل في الداخل بإيحاءات الخارج، وتتأثر بمشاريعه، وبذلك اصبحت فاقدة للإرادة السياسية، ومن ثم اصبح مصيرها مرتهن بيد هذه الجهة او تلك، ولان معارك لي الاذرع بين القوى الخارجية على العراق مستمرة، فان من صوره الشاخصة والاكثر وضوحا، هي صورة نظام الحكم وادارة الدولة التي يجب ان يظهر كل طرف قدرته على قهر غريمه من خلالها، وهكذا اضعف الجميع انفسهم امام بعضهم، ولم يعد لهم مشروعا وطنيا، بقدر ما اصبحوا اصحاب مشاريع سلطة، لان المشاريع الحقيقية المرسومة للعراق بيد الآخرين ولم تعد بايديهم، مثلما باتت السلطة رهنا لتجاذبات الاقوياء لان العراق فقد قوته السياسية وإرادته الوطنية، كنتيجة لذلك.

ايها الناس، لا باس ان يمد السياسي جسورا خفية مع بعض الاطراف الدولية والاقليمية، لكن ان يكون هذا الامر بهذا الحجم، فانه يعني كارثة، لان الوطنية ستموت في نفوس هذا الجيل الذي سيتربى على هذه الثقافة، وهو ما بتنا نخشاه حقا!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق