يحكي العَلَم العراقي قصة التاريخ العراقي المعاصر، وواقعنا الراهن هذه الأيام، ليس لكونه رمزاً للدولة فهو لم يستطع أن يكون كذلك، إنما كونه رمز للتحولات والصراع المزمن في هذه الدولة المضطربة.

إنه يعطي تصوراً عن صعوبة الإنسلاخ عن تقلبات الماضي مهما كان مرفوضاً، وصعوبة تمثيله للوضع الراهن رغم محاولات فعل ذلك بالإكراه أو الترغيب والتوافق.

وطوال قرن من الزمان تغير العَلَمُ العراقي خمس مرات، فكان شاهدات على التقلبات العنيفة في البلاد، ولم يكن الكرد في منأى عن هذه التقلبات، فقد كانوا يحجزون مساحة خاصة في تقسيمات وألوان العَلَم الوطني، ومرة يتم استبعادهم بشكل تام.

كانت رمزية الكرد حاضرة في علم الدولة الملكية الأولى بعد إقرار دستورها الأول عام 1925، اللون الأصفر هو رمز الكرد وممثلهم في جغرافيا العلم، ولم تكن الجمهورية الأولى التي أسسها عبد الكريم قاسم ورفاقه من العسكر لتستبعد المكون الكردي، فقد حجز مكانه أيضاً باللون الأصفر.

إلا أن الكرد فقدوا موقعهم في تضاريس العلم الوطني العراقي، مع مجيء حزب البعث واستحواذ فكرة القومية العربية التي كان يستخدمها حزب البعث.

ويلخص تقرير لصحيفة الشرق الأوسط المراحل العمرية لتحولات العلم العراقي وكالآتي:

 1.علم الملكية: أقره أول دستور أعلنه الملك فيصل عام 1925، وكان مقسماً أفقياً إلى ثلاثة ألوان متساوية ومتوازية: الأسود فالأبيض فالأخضر إضافة إلى نجمتين باللون الأبيض على خلفية حمراء على أحد أطرافه.

٢.علم الجمهورية: الذي أقر بعد سنة على سقوط النظام الملكي عام 1958، وكان مقسماً عمودياً إلى ثلاثة ألوان متساوية: الأسود والأبيض والأخضر، تتوسطه نجمة حمراء فيها دائرة صفراء.

٣. علم العراق في زمن الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسورية عام 1963 والذي استمر رغم إلغائها بعد أشهر قليلة، عادت إليه القسمة الأفقية إنما بالأحمر والأبيض والأسود وتوسطه ثلاث نجوم خضراء.

٤. عام 1991 بعد حرب الخليج الثانية، أدخل صدام حسين بخط يده عبارة "الله اكبر" بين النجوم الثلاثة.

وفي عام ١٩٩١ قرر الكرد انتخاب مجلس نواب خاص بهم، وحكومة تمثل الإقليم، فيما تم اختيار علم خاص بالكرد والتخلي عن العلم الاتحادي المعتمد من قبل حكومة بغداد، واستمر الحا

وحتى بعد سقوط نظام حزب البعث بقي الكرد معارضين للعلم الذي يحتوي على ثلاث نجمات تشير إلى شعار حزب البعث (الوحدة والحرية والاشتراكية)، فضلاً عن عبارة الله أكبر المكتوبة بخط صدام حسين.

ومن أجل حل الاشكالية قرر مجلس النواب رفع النجمات الثلاث، وتغيير الخط المعتمد في كتابة عبارة الله أكبر إلى الخط الكوفي، وصادقت رئاسة الجمهورية على هذا القرار النيابي.

على أثر ذلك وافق القادة الكرد على رفع العلم الاتحادي الجديد في برلمان كردستان صباح العاشر من شباط ٢٠٠٨ بحضور رئيس الإقليم مسعود البارزاني، ورئيس الحكومة المحلية وممثلون عن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب والحكومة الاتحادية.

في حينها اعتبر رئيس الإقليم عدنان المفتي في كلمة أثناء جلسة برلمانية استثنائية سبقت رفع العلم، أن رفع العلم "يشكل بداية جديدة للعلاقات بين الأكراد وبغداد".

وذكر المفتي بحسب تقرير نشره موقع الجزيرة أن المجتمعين لم يأتوا "لرفع العلم العراقي الجديد فقط، وإنما للإعلان أن العراق الجديد القائم على الديمقراطية وحقوق الإنسان… تحيط به المخاطر من أعدائه… ولا بد من العمل على ترسيخه ودرء تلك المخاطر عنه".

لكن المخاطر التي تحدث عنها المفتي لم تكن قادمة من أعداء العراق الخارجيين ولا الدول العظمى، إنما هي مخاطر مستمرة في عدم التوافق بين الإقليم والحكومة الاتحادية على صيغة مقبولة من قبل الطرفين على علم يمثل العراق بدون أي إشكاليات يثيرها بين الكرد والحكومة الاتحادية.

أي شخص يذهب إلى إقليم كردستان سيشاهد أن الغالبية العظمى من مؤسسات الدولة الرسمية هنا لا ترفع العلم الاتحادي، بينما تحرص على رفع علم الإقليم، وهذا ما انعكس على الرأي العام المحلي في الإقليم الذي بات يعتبر العلم الاتحادي علماً أجنبياً.

وتسببت هذه الصورة المتضادة في مشكلات مزمنة كان آخرها قيام جماهير رياضية في الإقليم بمحاولة تمزيق العلم الاتحادي، ما اثار حفيظة الجماهير الوطنية العراقية، ويبدو أن المشكلة ستتجدد مع كل حدث فيه شد عاطفي.

على الإقليم والمركز حل إشكالية العلم الوطني فهي ليست إشكالية عابرة، إنما تمثل مأزق الإنتماء والتمثيل، الذي قد يكون عامل وئام وتوافق ومرحلة مؤسسة لهوية وطنية شاملة، أو عامل تفريق وتجزئة وصراعات مزمنة.

اضف تعليق