من الطبيعي أن غياب مفهوم تاريخية المفاهيم الأساسية للتقدم، جعلنا نقوم بعملية ابتسار لقيم التقدم ومفاهيم التطور، وانتزاعها من سياقها الاجتماعي والحضاري.

ولهذا نشأت في الوطن العربي نزعة واضحة في هذا المجال هي العلموية وأصبحت تشكل جزءاً من العقلية العربية، وبخاصة النخبة المتعلمة والمتخصصة، ومؤدى العلموية أن الوسيلة إلى التقدم الحضاري هي في تداول أرقى وأحدث النظريات العلمية في العلوم من كيمياء وفيزياء ورياضيات وبيولوجيا ووراثة وجيولوجيا وإلكترونيات وفضاء، وفي تدارسها وتعليمها ودون التعرض للأسس الفلسفية الجديدة التي تقوم عليها هذه التطورات أو القفزات العلمية أو دون التعرض للتغيرات التي تفرضها مثل هذه القفزات والتجديدات العلمية على المفاهيم والفلسفات والأفكار العلمية والاجتماعية والسياسية السائدة.

وفي النزعة العلموية يؤخذ أحدث العلم بدون تاريخية. وتتحول بذلك المادة العلمية وكأنها جهاز مستورد أو قطعة تكنولوجية جديدة تتداولها الألسن وقاعات الدرس والامتحانات. وتلتقي النزعة العلموية هنا وتتكامل مع النزعة التكنولوجية والتي تحاول تطوير المجتمع من خلال تكديس أحدث المعدات والأنظمة والأجهزة التكنولوجية، دون التأكيد على الجانب الاجتماعي أو الاقتصادي السياسي لعمليات الإنتاج والتطور التكنولوجي.

وبهذا نستطيع القول ان التطور والتقدم ليس قطعاً متناثرة من التقنية الحديثة والمظاهر الاقتصادية والموضات الاجتماعية بقدر ما هي حركة اجتماعية، تنظم عمليات الإنتاج بمختلف أشكالها وتقوم على أسس عميقة في العقل العلمي.

وتأسيساً على ما ذكر أعلاه لا بد من القول إن غياب النظرة التاريخية لمفهوم التقدم في المجتمعات العربية والإسلامية هو الذي جعل واقعنا يلهث وراء التطور والتقدم "كتجمع فسيفسائي تراصفي لعناصر التقدم من علم يتمثل بجمع المعلومات، أو تكنولوجيا تتمثل بشراء الأجهزة والمعدات، أو معهد أبحاث يتمثل في تجميع بعض المختبرات، أو جامعة تتمثل في زيادة أعداد الخريجين أو ثقافة تتمثل في إعادة واستعادة التراث، نتيجة لكل ذلك، تعمق الاختلال الكبير في رؤية جوهر نظام العلم والمعرفة كظاهرة تاريخية، وتفاقم العجز في تنشيط ديناميكية الجدل بين العلم الذي يتعلمه الدارسون وبين العقلية العربية وبين الثقافة العربية، وعجز كل عنصر من هذه العناصر عن القيام بدوره في تهيئة العقل العربي، ليس لتقبل العلوم فحسب رغم أهمية ذلك، وإنما أيضا للانتقال إلى المرحلة العلمية".

لهذا فإننا مطالبون بتوطين المفاهيم الأساسية لعملية التقدم والتطور حتى لا يكون التقدم عبارة عن وجود أفكار متناثرة تدعو إلى التقدم وتدفع إليه.

ومن المؤكد أن توطين هذه المفاهيم ودمجها بالسياق الطبيعي للمجتمع، هو كفيل برفع حالة الإنشطار والقلق التي يعانيها المجتمع العربي من المفاهيم العلمية الجادة. "ولما كانت جذورنا الثقافية العميقة، نابتة من وراء الواقع المادي، والإدراك عندما لا يكون بالحواس، وإنما يكون بالإلهام فلقد نشأت في نفوسنا كراهية لما هو مادي يندرج في نطاق الحواس، وكان حتما علينا أن يجيء إيماننا بالعلم الطبيعي الذي هو أبرز سمات العصر إيمانا تساوره الشكوك.

ومن هنا انشطرت حياتنا بازدواجية أخرى. فمن الوجهة النظرية نتشكك في العلوم وقدراتها، ومن الوجهة العملية نقبل بكل نفس راضية على ما تنتجه تلك العلوم من ثمرات".

فالشرط الضروري الذي ينبغي توفره حتى تعمل مفاهيم التقدم عملها وتؤثر بشكل مباشر في مسيرة المجتمع، هو توطين هذه المفاهيم في مجتمعنا وجعلها جزءاً لا يتجزأ من العقلية العربية والإسلامية. ولهذا نجد على المستوى الأوروبي، أن مفاهيم النهضة والتطور لم تباشر دورها الفعلي إلا بعد أن توطنت في السياق الاجتماعي والمعرفي الأوروبي.. بعد توطينها بدأت تمارس دورها التنويري في المجتمعات الغربية.

ولا شك أن عدم توطين هذه المفاهيم والمعارف الأساسية للتقدم والتطور يخلف ازدواجية عميقة في شخصية الإنسان العربي. حيث نريد هذه المفاهيم لتقدمنا ولكننا في نفس الوقت لا نؤمن بها. نستعمل منجزاتها المادية التي صنعتها المجتمعات ولكننا لا نقبل مقولاتها.

فلا بد من التأكيد على أن توطين المفاهيم الأساسية للتطور هو شرطها الأساسي لاجتماعيتها وجماهيريتها. فازدهار هذه المفاهيم على الصعيد المجتمعي هو النواة الأولى لعملية إنهاء التخلف والدخول في طريق البناء والتقدم.

وعملية توطين المفاهيم تبدأ باستيعاب مضامينها بشكل واع ودقيق، حيث إن الانبهار بهذه المفاهيم يؤدي إلى استنساخها الحرفي وتقمصها الشكلي مما يمنع عملية التوطين، وتصبح العملية استيرادا لبضاعة فكرية ومفاهيم ثقافية.. بينما الاستيعاب الواعي الذي نعانيه قبل أن يكون ماديا واقتصاديا، هو تخلف في العقلية والنسق الثقافي، والنظام الفكري الذي يوجه عمل الإنسان وأنشطته المتنوعة.

والجانب الخطير كما أوضحنا آنفا في ظاهرة التخلف هو أنها ليست شخصا أو هيئة مادية محسوسة، بإمكاننا طردها بشكل سريع وطبيعي من وجودنا وحياتنا. بل هي ظاهرة مركوزة في النفوس والعقول، قبل أن تتواجد كآثار وتداعيات في المجتمع والاقتصاد. لهذا من الضروري أن ندرب أنفسنا ونروض ذواتنا على مقاومة كل الأنساق والأطر والأفكار التي هي وليدة التخلف وعصوره المظلمة.

فالمدير في إدارته من الضروري أن يقلع عن الأنماط الإدارية المتخلفة التي تعيق العمل وزيادة الإنتاج. كما أن الأستاذ في مدرسته ومعهده العلمي بحاجة إلى أن يغرس في نفوس طلابه قيم الحضارة ومبادئ التطور والتقدم. ويؤسس في عقول طلابه الوعي القادر على طرد رواسب التخلف من أذهان وسلوكيات الطلاب. كما أن رب العمل في معمله، بحاجة الى أن يراجع نمط تعامله مع العمال، ويبتعد نفسياً وعمليا عن تلك الأنماط التي تعيق مشاركة العمال بصورة فعالة وحسنة في عملية التطوير والإنتاج المتواصل.

فإننا لن ننجح في مقاومة التخلف وإنهائه من وجودنا الشامل، إلا بإنهاء مسبباته الحقيقية من عقولنا وأنفسنا. ولا شك أن الجهل بمعانيه المختلفة (جهل الذات وإمكاناتها المكنونة جهل السنن الكونية والنواميس الاجتماعية جهل الحقائق والمعارف والعلوم)، أحد الأسباب الأساسية لبقاء التخلف واستفحاله في محيطنا العربي والإسلامي.

لهذا فإننا كلما توسعنا في إضاءة معالم حياتنا بمصباح العقل والعلم، كلما صغّرنا وضيقنا من دائرة التخلف في حياتنا.

كما أن قبولنا بالجهل وخضوعنا لمؤثراته النفسية والعلمية، هو الذي يكرس التخلف في نفوسنا وواقعنا. فدفعُ أبنائنا إلى الدراسة الجدية والتعلم حركة تجاه إزالة التخلف من وجودنا. كما أن تشجيع العامل الفني والحرفي والصانع على حسن الإتقان والجودة عمل باتجاه الانعتاق من ربقة التخلف، كما أن تربية النشء وفق المعايير السليمة في التربية، يعد عملاً حقيقياً باتجاه التقدم والتطور.

فلا يمكننا أن نزيل التخلف دفعة واحدة كما أنه لا يمكننا تحقيق التقدم مرة واحدة. فكل عمل إيجابي (وفق المعايير الموضوعية والحضارية)، يعد خطوة بإيجاد التقدم الشامل. كما أن كل عمل سيئ يعد تكريساً لسيئات التخلف في واقعنا.

لهذا فإننا بحاجة إلى تشجيع وإسناد كل خطوة إيجابية في أي اتجاه، والعمل على تذليل الصعاب أمامها. كما اننا مطالبون أيضاً أن نقف ضد كل خطوة سيئة وسلبية في أي تجاه كانت. كما أن تغيير العقلية من عقلية الاستهلاك إلى عقلية الإنتاج ومن عقلية الاعتماد على الآخرين إلى عقلية الاكتفاء الذاتي هو بداية الحل للخروج من أسار التخلف.

وجماع القول: إن العمل الأول والذي نعتبره جوهرياً لعلاج ظاهرة التخلف يتجسد في مسألة الإنسان أولا. حيث إن تغيير ثقافته، ونظرته إلى ذاته والآخرين. هي الخطوة الأولى لإحداث التغيير والتطور في بقية مجالات الإنسان. بمعنى أن تغيير الإنسان من الداخل، سيوفر لنا رؤية متزنة وواعية لعناصر ثلاثة نعتبر ونعتقد أن تحديد موقف سليم منها يؤهلنا للدخول في نادي المتقدمين، وهذه العناصر كالآتي:

الموقف من الذات

إن نوعية ثقافة الإنسان، هي التي تحدد نوعية الموقف من النفس. فإذا كانت ثقافته تشاؤمية، فإنها ستعتبر الذات (أفكار ومشاعر) من الأمور الثابتة التي لا يمكن تغييرها.

أما إذا كانت ثقافة الإنسان قائمة على زرع الثقة بالذات، وأن طاقات الإنسان لا يمكن أن تحدها حدود. فإن موقف الإنسان من نفسه سيكون موقف التقدير والاحترام. وعلى العكس إذا كانت ثقافته قائمة على التقليل من شأنه واحتقار مواهبه وكفاءته وتجاهل إمكاناته وتطلعاته. فإن موقفه من نفسه سيكون بشكل طبيعي هو الاحتقار لذاته وتضخيم لقدرات الآخرين وإمكاناتهم.

وتأسيساً على هذا نستطيع القول: إن الموقف السليم من الذات هو بداية الإنطاق. بحيث أنه لم تبن حضارة، ولم يتقدم مجتمع إلا على قاعدة النظرة السليمة إلى الذات وإمكاناتها. ولم يسجل لنا التاريخ الإنساني، أن حضارة قد بنيت أو مجتمعاً قد تقدم، وأبناؤه يستحقرون ذواتهم، ولا يثقون في إمكاناتها. إن بداية التقدم والحضارة، هي الثقة بالذات وبدونها لا يستطيع الإنسان أن يحقق أي شيء يذكر.

الموقف من التاريخ

إننا كمجتمع عربي وإسلامي، نواجه تحدياً قادماً لنا من التاريخ. إذ أن التاريخ بأحداثه ورجاله وقيمه، ما زال حاضراً فينا، بحيث إننا لا يمكننا التفكير في أي شيء، إلا باستشارة التاريخ. فهو إحدى أدوات التقويم والتفضيل، كما أنه أحد أوعية الخلافات والصراعات. لذلك فإن تحديد موقف واضح من التاريخ يعد عملاً حضارياً، لأنه يجعلنا نتجاوز الكثير من المشكلات النظرية والعملية.

ومن المؤكد أن تحديد موقف موحد من التاريخ يتطلب وجود ثقافة واحدة، تجعلنا ننظر إلى هذا التاريخ بذلك المنظور الثقافي. ومن هنا فإن ثقافة الإنسان، هي التي تحدد طبيعة موقفه من التاريخ. فإذا كانت ثقافته خرافية - أسطورية، فإنه سينظر إلى التاريخ باعتباره مجموعة من الأساطير والمعجزات. أما إذا كانت ثقافته خاضعة إلى قوانين الاجتماع الإنساني، والناموس الكوني، فإنه سينظر إلى التاريخ باعتباره وعاء لحراك اجتماعي، متعدد الصور والأبعاد، وإن الإنسان فيه خاضع لظروف الزمان والمكان.

لهذا فإننا نرى أن إزالة عناصر التخلف في نظرتنا إلى تاريخنا، لا تتأتى إلا بتغيير ثقافتنا تجاه تاريخنا. فلا يعقل لمن يمتلك ثقافة سببية، ان ينظر إلى التاريخ كمجموعة حوادث خارقة. كما أنه لا يمكن لمن يمتلك ثقافة مسئولة، أن يبتعد عن شؤون التاريخ، ويهرب من تحديد موقف واضح من أحداثه ورجاله.

الموقف من الواقع

تتعدد مواقف الإنسان من واقعه، بتعدد الثقافات التي يحملها. فإذا كانت ثقافة مسئولة وملتزمة، فإنه سيتخذ من واقعه موقفاً مسئولا وملتزما. أما إذا كانت ثقافته غير ذلك، فإن موقفه من الواقع لن يتعدى ذلك، فثقافة المرء هي التي تحدد الموقف من الواقع.

لهذا فإن تغيير ثقافة الإنسان ومنظوره إلى نفسه، وإعادة الثقة إلى ذاته، وأنها قادرة على تحقيق التطلعات وتجاوز الصعاب هي القاعدة الضرورية للالتزام بموقف مسئول تجاه الواقع الذي يعيشه.

لهذا كله: فإن تغيير ثقافة الإنسان، تبقى مسألة ضرورية لإزالة عناصر التخلف وآثاره من جسم الأمة. فالشيء المهم هو بناء الإنسان وفق نسق فكري - ثقافي ناهض ومضاد لكل مفاهيم وعناصر التخلف الحضاري، وبدون تغيير ثقافة الإنسان وبنائه وصياغته وفق منظومة فكرية حضارية، لا يمكننا التغلب على التخلف في واقعنا الخاص والعام.

اضف تعليق