في جملة ساخرة كتبها أحد الصحفيين الاجانب (على ما اعتقد) في ثمانينات القرن الماضي قال: ان عدد سكان العراق هو ثلاثين مليوناً نصفهم هو عدد السكان العراقيين والنصف الآخر هو عدد صور صدام او ما يمجد النظام! وحينما خرجت من العراق كنت حريصاً على ملاحظة هذه الظاهرة (ان وجدت) في الدول المتقدمة.

فحيثما جلتُ في الساحات العامة والحدائق والشوارع كنت ارصد الصور والرموز في تلك الاماكن، فلم اكن أجد الا بعض التماثيل المنفردة التي تخلد رمزاً تاريخياً وليس شخصاً في السلطة او رجل دين او حتى مقاتل. حتى ان وُجدت تلك التماثيل او الصور فانها بعدد محدود ولشخصيات لا تختص بطائفة او جماعة او حزب بل بالجميع.

للتو انهيت جولة لي في البصرة التي لم ازرها منذ عقدٍ من الزمن، فاسترعى انتباهي كثرة الصور والاعلام والرموز في الشوارع والساحات العامة والموضوعة بطريقة تفتقر في معظم الاحيان الى اللمسة الجمالية والتنظيمية.

أفهم ان تعتز الدول بمن دافع عن ثراها، لكن لا افهم ان يفرض علينا كل حزب او منظمة دينية او سياسية او تكتل انتخابي ما يعتقده رمزاً له!!

من يتجول في شوارع البصرة لا يستفزه فقط كم المناظر المسيئة للذوق العام والبيئة الصحية، ولا حتى التجاوزات الفاضحة على الاملاك العامة، بل تستفزه ايضاً الاعداد الهائلة من الصور المختلفة في الشوارع والساحات العامة والمرصوصة بطريقة عشوائية وبدون نظام او رابط فني! ان البصرة، كما هو الحال في بغداد وكثير من مدن العراق كما يبدو، تعاني من تلوث بصري ارضي وفضائي.

فليست الاوساخ هي فقط من يلاحقك اينما ذهبت، بل اللافتات واللوحات والصور تطاردك ايضاً اينما جلت بنظرك، واذا كانت الحكومة المحلية لا تتحمل لوحدها موضوع الاوساخ لان المواطن شريك رئيس فيها، فانها بلا شك تتحمل المسؤولية الرئيسة عن هذا التلوث البصري المعلق.

الرمزية في حياة الشعوب مهمة، لكنها حين تزداد وتصبح تجارة رائجة فانها ستخرج عن معناها المطلوب. فالاكثار من الرمزية قد يكون محاولة للتعويض عن النقص في الإنجاز. لذا فان الدول المتقدمة ورغم وجود الرموز لديها الا ان شوارعها وساحاتها وحدائقها العامة هي التي توصل الرسالة المطلوبة للشعب وهي التي تعمق صلتهم بمدنهم وليس صور الاشخاص او سواها. فحينما ينتشر الانجاز لا تحتاج ان تنتصر بالاعجاز لان التصريح يغني عن التلميح والتجلية تجبُّ التورية.

ان الانفلات الصوري والاسهال الرمزي الذي تعاني منه شوارعنا وساحاتنا العامة ليس حالةً صحية، بل جزء من حالة عدم الانضباط والانتظام التي بتنا نعاني منها كثيراً. وبعد ان كان لدينا حزباً واحداً وقائداً أوحداً يفرضان صورهم ورموزهم ورسائلهم الرمزية على الجميع فقد أُغرقنا بعشرات الاحزاب ومئات القادة والوف الرموز وملايين الصور، فارأفوا بابصارنا ما دمتم غير قادرين على ان ترأفوا باقدارنا!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق