يبدو ان الازمات في العراق وما تثيره من تداعيات على مختلف القطاعات والفئات لا تقتصر على منطقة دون أخرى، فإقليم كردستان المتمتع بالحكم الذاتي الفيدرالي يتسم بصفه عمومية بالهدوء والاستقرار قياسا بالمحافظات الأخرى كالعاصمة بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية وحتى مناطق غرب وشمال العاصمة الهادئة نسبيا بعد التحرير من تنظيم داعش الإرهابي، المناطق الوسطى والجنوبية التي شهدت قبل عامين مظاهرات غير مسبوقة بتاريخ عراق ما بعد حكم صدام حسين الشمولي، واسهمت بصورة مباشرة في إقرار عدد من الإجراءات التنفيذية والتشريعية منها اجراء انتخابات مبكرة، وإصدار حزمة من الإصلاحات لكن لم تكن بالمستوى الشامل، على امل ان تكون مخرجات انتخابات تشرين 2021 تأتي بتأثيرها السياسي والدستوري في تغيير بعض المعادلات التي رسخت من الفساد والمحاصصة وغياب حكم القانون والطبقية السياسية والاجتماعية عبر ماعدا تغيير على مستوى صعود شخوص وتكتلات سياسية جديدة كانت تطرح مشاريع وبرامج إصلاحية وعارضت بقوة المعادلات السياسية في العراق طوال السنوات الماضية.

فسحة الامل يوجهها خيبات امل كثيرة وعدم ثقة شعبية من أي بوادر لإصلاح واقع الدولة ومشاكلها خاصة تلك التي على تماس بحياة الناس على مختلف المستويات الخدمية والصحية والتربوية وما الى ذلك وهذا ما قد يفسره عدد من الفواعل الصامتة والمتحركة منها: الاقبال الضعيف على المشاركة في الانتخابات النيابية الأخيرة، وكذلك عدم توقف الهجرة الى خارج العراق من منافذ عدة وابرزها في هذه الفترة عبر دولة بيلاروسيا والتي مثل سكان إقليم كردستان الفئة الاغلب من مهاجري بيلاروسيا في أوضاع إنسانية مزرية وبائسة وطقس بارد جدا في الوقت الذي ترفض فيه السلطات البولندية أي مجال للهجرة من بيلاروسيا عبر أراضيها، ومعالجات وقتية من قبل حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية تمثلت بتسهيل إجراءات الراغبين من الهاجرين بالعودة الطوعية الى العراق.

وهذا ما يدلل على ان هناك تحديات كبيرة، وازمة حقيقة يعيشها المواطن في إقليم كردستان مثلما يعيشها المواطن في بغداد والموصل والبصرة والنجف وباقي المحافظات العراقية، توصف كردستان على انها الأفضل في تقديم الخدمات وتوفير فرص العمل لمواطنيها والتقدم على مستوى البنية التحتية لكن يبدو ان الكثير من الخدمات المقدمة والماسة بحياة المواطن مثل فرص العمل قد تكون مقتصرة على فئات وجهات دون غيرها بمعنى قد تكون سياسات الأحزاب النافذة وعلى وجه الخصوص الحزبين التقليدين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، وحزب الاتحاد الكردستاني بزعامة الطالباني الابن، صحيح ان المطالب في كل الاحتجاجات التي شهدها الإقليم لكن شاملة لإصلاح العملية السياسية لكنها كانت فيها إشارات امتعاض من أداء الحزبين الرئيسيين.

وقد شهدت الانتخابات النيابية الوطنية الأخيرة تراجع حزب الاتحاد الوطني وتقدم للحزب الديمقراطي مع تدني في نسب المشاركة ويظهر ان الأداء في معالجة مشاكل المجتمع في الإقليم خاصة بعد تراجع الخطاب القومي الانفصالي بعد فشل مشروع الاستفتاء بالانفصال عن العراق ورفض حكومة بغداد والأطراف الإقليمية المجاورة للإقليم إضافة الى الولايات المتحدة ورفض الدول لم تعد الأحزاب الكردية قادرة على مغازلة وتخدير الشارع الكردي بهكذا شعارات، إضافةً الى ما يعده المجتمع الكردي فشل القوى الكردية على المستوى التنفيذي والنيابي في بغداد بمعالجة الملفات الشائكة بين الإقليم والحكومة الاتحادية خاصة في ملف رواتب موظفي الإقليم وشرائح أخرى ومنها الطلبة الذي يختفي فترة ويظهر في أخرى.

فعند تحليل ظاهرة الهجرة منذ ان فتحت تركيا حدودها على اليونان وبعد ذلك عبر طرق أخرى واخرها عن طريق بيلاروسيا تكشف على ان هناك مشكلة حقيقة في الإقليم فهناك تذمر من المحسوبية الحزبية على حساب أبناء المجتمع الاخرين، وهناك تمييز بين الناس وبين أبناء المسؤولين، وملفات فساد مسكوت عنها ومنها عائدات النفط والمنافذ الحدودية غير المعلنة لا بالاتفاق مع الحكومة الاتحادية في بغداد ولا مع حكومة إقليم كردستان، وهناك ارتفاع في معدلات البطالة، يضاف الى ذلك العجز عن دفع لرواتب الموظفين والمتقاعدين وشرائح طلابية، فعادة ما يتساءل أبناء الإقليم أين النفط؟ أين الأموال التي تدفعها الحكومة العراقية؟ اين عائدات السياحة في الإقليم المتراجعة في الفترة الأخيرة؟

ومما تقدم نستنج كخلاصة للمقال ان هناك ازمة حقيقة لم تعد مقتصرة على مناطق معينة من العراق دون غير فهذا هو الإقليم الذي يعد الأفضل على غيره بالاستقرار السياسي والاجتماعي يعاني مشاكل كبيرة في الجانب الاقتصادي وغياب فرصة حقيقية في التنمية والخطط الاستراتيجية في معالجة مشاكل الناس، وهذا ما تفسره الهجرة الكبيرة ومن كل الشرائح وان سيطر عليها في الفترة الأخيرة سكان إقليم كردستان من خلال الهجرة الى دولة بيلاروسيا من ثم في محاولة الهجرة غير الشرعية الى دول اوربا الغربية، وكذلك عدم الاهتمام في المناسبات السياسية كالانتخابات النيابية وغير ذلك.

تأتي هذه المظاهرات بعد موجة كبيرة من احتجاجات مدن بغداد والمحافظات الوسط والجنوب والتي وان هدئت لكنها قد تندلع مرة أخرى اذا ما كان شكل الحكومة والعمل النيابي في الفترة القادمة لا يختلف عن السلطتين التنفيذية والتشريعية فيما سبق، وان كانت هناك شرعية للانتخابات للسلطات التنفيذية والتشريعية ويبدو ان الاحتجاج دخل عنصر أخر في الموافقة او الرفض على أي تشكيل سياسي تنفيذي او تشريعي وان بدا مطلبي محدد وسرعان ما يتحول الى مطلب شامل في الإصلاح السياسي والاقتصادي.

من هنا تحتاج القوى السياسية الرئيسة وحتى المستقلة والجديدة والتشرينيين منهم في المرحلة القادمة الى وضع خطط تنموية استراتيجية تعالج مشاكل المجتمع وبناء الدولة في مدة قصيرة الاجل والا قد تكون هناك تداعيات كبيرة على العملية السياسية تكون اقوى من سابقاتها وهذه ما حذرت به قوى دينية وسياسية وشعبية، ومن المفترض على القوى السياسية السنية والكردية ان تغير في تعاطيها مع العملية السياسية وتشكيلاتها التشريعية والتنفيذية بصورة التحول من التفكير الحزبي المكوناتي الى التفكير الوطني الديمقراطي الذي يصب في صالح بناء الدولة الوطنية العادلة التي من عناصرها توفير الرفاهية الاقتصادية لأبناء المجتمع بجميع تعددياته الثقافية والدينية والعرقية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001–2021Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق