أكثر من صحفي محلي وأجنبي سألني هل ستنسحب القوات الامريكية من العراق في نهاية هذه السنة؟ وهل تراجعت أمريكا عن تعهدها بالانسحاب بعد الاتفاق عليه مع رئيس الوزراء الكاظمي بناء على مخرجات الحوار الاستراتيجي في تموز الماضي؟

الجواب: نعم ستلتزم أميركا بانسحاب قواتها (القتالية) كما نص الاتفاق حرفياً على ذلك. هذا الانسحاب لقواتها (القتالية) القليلة اساساً في العراق لم يأتِ فقط بسبب الحاح او طلب الجانب العراقي فحسب، بل لان فائدة امريكا الاستراتيجية من تواجد حوالي الفي عنصر مقاتل في العراق لا توازي مطلقاً الكلف السياسية والدبلوماسية المترتبة على بقاءهم بخاصة بعد ان شهدت السياسة الاميركية في عهد بايدن بعض التغييرات التكتيكية تجاه المنطقة والتي سأوضحها لاحقاً. لذلك وتعليقاً على الانباء المشككة بالانسحاب والتي تم تداولها في العراق بهذا الخصوص مؤخراً، أكدت الناطق بلسان البنتاغون الاسبوع الماضي التزام أمريكا بأتفاقها مع الحكومة العراقية. لكن ذلك لا يعني بالضرورة عدم تواجد أي جندي امريكي بعد هذا التاريخ.

فبناء على اتفاق الاطار الستراتيجي من جهة والحوار الستراتيجي بين البلدين من جهة أخرى فان هناك قوات (غير قتالية) أسوة بقوات دول اخرى، ستبقى متواجدة في العراق بصفة مستشارين ومدربين لمساعدة القوات العراقية في التغلب على التحديات الأمنية، بخاصة الارهابية منها، والتي لاتزال جدية وتشكل تهديداً لأمن العراق والمنطقة.

تفهم بايدن

وعلى الرغم من اعتقاد البعض، بخاصة بعد الانسحاب الامريكي من أفغانستان ان أمريكا ستنسحب من المنطقة نهائياً، الا ان كل الدلائل والمصادر تشير الى تفهم ادارة بايدن للأهمية الاستراتيجية للشرق الاوسط وبالذات الخليج العربي والتزامها بضمان امن الملاحة وتدفق النفط كاحد ثوابت استراتيجيتها الدولية منذ عقود. كما ان ضمان أمن (إسرائيل) وتفوقها الامني يبقى من اولويات السياسة التي لا تستطيع اي ادارة امريكية-في المدى المنظور على الاقل- ان تغيره.

أن هناك فهم مشوش لدى البعض بخصوص إصرار الادارة الاميركية-والذي بدأ بالتلاشي تدريجياً- بخصوص العودة للاتفاق النووي مع ايران. هذا الاصرار ليس نابعاً من حاجة امريكا للانسحاب من المنطقة، بل من فهم مختلف لكيفية تحقيق امريكا لاولوياتها فيها. فهذه الادارة ترى ان الوصول لاتفاق مع ايران هو الكفيل بايقاف خطر التهديد النووي الايراني والابقاء على التفوق الاسرائيلي. وهي تؤمن انه يمكن تحقيق غايات الامن القومي الامريكي وامن شركائها في المنطقة من خلال حزمة متكاملة من الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية والترتيبات الامنية والعسكرية.

بناءً على ذلك يجب فهم عدم الارتياح الذي ابداه وزير الدفاع الاميركي، أوستن، وكذلك مبعوث امريكا لايران، مولي، ومبعوث اميركا للمنطقة، ماك گغرك، من عاصفة الاسئلة التي وجهت لهم والمشككة بنوايا وسياسة أميركا في المنطقة خلال قمة المنامة الأمنية هذا الشهر!

فبحسب مصادر موثوقة حاول اوستن ايضاح ان هناك سياسة امريكية جديدة تتشكل مبنية على ايجاد وتطوير اطار تعاون امني واقتصادي ودبلوماسي، مدعوم من امريكا، بين دول المنطقة لغرض مواجهة التهديدات الاقليمية لامن دول الخليج والدول العربية الاخرى!

وقد حاول هؤلاء المسؤولين الاميركان رفيعي المستوى تبديد الشكوك حول نوايا امريكا وتوكيد التزامها الاستراتيجي بالمنطقة وان هناك كثير من الانشطة الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية التي تقودها امريكا لتحقيق التزاماتها بضمنها استعداد قواتها لاجراء مناورات عسكرية مشتركة بين امريكا واسرائيل وبعض جيوش المنطقة لارسال رسالة قوية (كما عبر عن ذلك احد المساعدين الكبار لوزير الدفاع اوستن) بأنه في الوقت الذي تسعى فيه امريكا لعودة ايران للاتفاق النووي فأنها لن تتخلى عن الخيارات العسكرية.

التزام امريكي

وعلى الرغم من اني من المشككين دوماً باستمرارية الالتزام الاميركي والمؤكدين على أهمية اختطاط سياسة امنية مستقلة للمنطقة، الا ان المصادر التي تحدثت معها تؤكد جدية الخيار الاستراتيجي الاميركي.

لذلك أؤكد ان من يعتقد ان تحول دور ما تبقى من القوات الاميركية في العراق الى دور استشاري غير قتالي لا يعني نهاية النفوذ الامني والاهتمام العسكري او الاستراتيجي الامريكي فيها.

ان ما يحصل الان هو كما وصفته في مقالات سابقة قبل اشهر، عبارة عن اعادة تموضع للقوات على صعيد المنطقة وليس العراق فحسب. وان من يريد إنهاء النفوذ السياسي او العسكري الامريكي في المنطقة فان عليه اولاً تبديد مخاوف دول المنطقة وحكوماتها التي ستظل تسعى، مثلما فعلت مع النظام العراقي السابق، الى بناء علاقات واحلاف استراتيجية تجنبها اي تهديدات اقليمية.

ان ما تمتلكه دول الخليج من امكانات اقتصادية وعلاقات سياسية من جهة، ومحاولاتها الدائمة للمحافظة على دولها التي لا تمتلك خيارات عسكرية تؤهلها لمجابهة القوى الاقليمية الكبرى في المنطقة من جهة اخرى سيجعلها قلقة وتبحث باستمرار عمن يهدىء مخاوفها.

لذا فان الخيار الوحيد المتوفر لدول المنطقة بضمنها ايران وتركيا والسعودية هو محاولة بناء الثقة والامن من خلال ترتيبات اقليمية، قد تكون مرفوضة من(اسرائيل) لكنها بالتأكيد لن تكون مرفوضة من الدول العظمى ما دامت لا تهدد مصالحها في المنطقة.

وبدلاً من خلق اطار امني اقليمي برعاية أمريكية (اسرائيلية)، اليس الافضل لدول المنطقة ان تطور هي بنفسها مثل هذا الاطار الامني الذي يأخذ بالحسبان أمنها ومصالحها بدلا من أمن ومصالح امريكا واسرائيل؟!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق