المؤامرات هي أرخص شيء في العراق، لذلك تجد المؤامرة تطرق الأبواب في كل أزمة، ففيها تفسير سهل ومقبول لدى عامة الناس، مستفيدة من الشعور الشعبي بالظلم والتعرض للعدوان من طرف خارجي يراد من الجميع محاربته.

الأزمات في العراق لها أسباب داخلية عدة، وفي أغلب الأحيان تتسبب بها المنظومة الحاكمة التي تصدر القرارات الخاطئة وتؤثر على الحياة العامة، فتدمرها وتزيدها تعقيداً، لكونها قرارات ارتجالية بعيدة عن التخطيط والتفكير المستقبلي، فضلاً عما فيها من شخصنه وثأرية في أحيان كثيرة.

على سبيل المثال قد ستولي حزب وفق نظام المحاصصة على وزارة التربية، فيصدر قرارات تنفع الحزب وتزيد من منسوب خزينته المالية، بينما يقرر في الجانب الآخر إلغاء القرارات السالفة للوزير السابق الذي أصدرها لصالح حزبه.

يرتبك الوضع التعليمي لأن القرارات الأولى كانت مبنية على سلوك خاطئ وغير علمي، والقرارات التالية كانت ثأرية ومحاولة لإلغاء إرث الحزب السابق أكثر من كونها قرارات مبنية على رؤية علمية ثابتة.

النتيجة تنهار وزارة التربية وتتحول إلى وزارة مأزومة جامدة وغير قادرة على الحركة، كل ما تستطيع فعله هو التفاعل مع الأحداث بينما تعجز عن قيادة المسيرة التعليمية في البلاد، إذ تنتظر الوزراة صعود القضايا التعليمية في "ترند" التواصل الاجتماعي، لتصدر القرارات على ضوء ما يقرره "الترند".

حدث هذا مع الحملة الإعلامية التي ظهرت بعد انتشار مقطع فيديو للطالبة "إيلاف" من النجف الأشرف، وهي أم لطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، وزوجها كاسب، ولأن عمرها قد فات عليه القبول في الدراسة كونها من موالد 1995 قررت المشاركة في الامتحان الخارجي، وحصلت على معدل 98 في الفرع العلمي، لتكتشف بعدها أنها غير مسموح لها المشاركة في الدراسة الصباحية، رغم عدم قدرتها على الاشتراك في الدراسات المسائية التي تكلفها مبالغ طائلة.

بعد الحملة الشعبية أصدرت وزارة التعليم قراراً بقبول الطلبة من مواليد 1995 ويزيد معدلهم عن 90% في الدراسات الصباحية.

هذا قرار جيد، لكن لماذا لم تدرسه الوزراة قبل الحملة الإعلامية، وهي تعرف جيداً بوجود هذا النوع من الحالات، وهم طلبة يستحقون معاملة خاصة لأن أغلبهم درس في ظروف قاسية ولديه من الدافعية ليكون رائداً فعلياً في مجال تخصصه. إيلاف مثلاً التي حازت على المعدل فوق الممتاز رغم ظروفها القاهرة هي القادرة فعلاً على أداء دورها وهي التي تقدر حجم التحديات في حال ممارستها لتخصصها.

كل هذا غير وارد في قرارات وزارة التربية ولا وزارة التعليم، لأن القرارات هناك بعيدة عن التخطيط والدراسة العلمية، وأقرب إلى الفوضى والثأرية والارتجالية.

وبسبب القرارات الارتجالية والثأرية تجد المدارس الأهلية في تكاثر يشبه انقسام خلايا الأميبيا وأسعار الاشتراك فيها خيالية، بينما تتحول المدارس الحكومية إلى مجرد شبكة يستخدمها المدرسون لصيد الطلاب وسحبهم إلى ما يسمى بدورات التقوية التي بات وجودها أكثر أهمية من وجود المدارس نفسها.

فالطالب في المدرسة الحكومية لا يستطيع التفاعل علمياً مع الشرح الذي يقدمه المدرس بظرف 35 دقيقة للدرس الواحد، هذه المدة القصيرة للدرس تدفع المدرس إلى إتمام أكبر عدد من التمارين بأقصى سرعة ممكنة، وبأي طريقة كانت، بغض النظر عن مدى فهم الطلبة، فالأهم إكمال المنهج الدراسي، لأن المدرس في النهاية يخشى العقوبة أو التوبيخ الشفوي الذي يأتي من المشرف التربوي لعدم اتمامه المنهج.

من جهة أخرى يعرف المدرس حقيقة اشتراك الطلبة في دورات التقوية واعتمادهم عليها أكثر من اعتمادهم على درسه الذي يضيق وقته وتضيق جدرانه، بينما يتوسع عدد الطلاب فيه ليحاصرون المدرس قرب السبورة وربما يخرجون من الباب، فالأعداد قد تصل إلى خمسين وستين طالباً في الصف.

وقد يكون عدد الطلاب 20 طالباً في الصف الواحد لكن المدرسة كلها تعتمد على مدرس واحد كما هو الحال مع مدرسة الإشراق في الديوانية التي لا تملك سوى مدرس واحد وهي مدرسة طينية متهالكة وغير صالحة لأي شكل من أشكال الاستخدام البشري، بل هي بناية خطيرة وتهدد من يقف تحت سقوف صفوفها في أي لحظة نتيجة للتشققات الكبيرة في جدرانها.

مؤامرة

كانت تلك صورة مصغرة من واقع التعليم في العراق، أما الصورة الأكبر فلا يكفي مقال واحد لشرحها، وكل جزء من أجزائها بحاجة إلى عدة مقالات مطولة، والمفارقة أنها تتفق في معظمها على محور واحد، وهو التقصير الحكومي الواضح، وسوء الإدارة الفاضح والمتواصل ولجميع الحكومات قبل 2003 وبعدها.

التعليم هنا وخاصة التعليم المدرسي يحتضر، ولو كنت مكان أي دولة معادية للعراق فلا أحتاج إلى مؤامرة لتدمير التعليم، لأنه مدمر ومنهار وبعيد عن المنهجية الرصينة، وأقرب إلى الفوضى والموت السريري، الدول الخارجية لا تنفق جهودها وأموالها لتدمير أنقاض لقطاع مدمر، كما هو وضع التعليم.

منطقياً لا يمكن قبول فكرة وجود مؤامرة لتدمير التعليم في العراق، فمن يقوم بالمؤامرة على قطاع كبير واستراتيجي مثل القطاع التعليمي، لا بد أنه يملك فائضاً من الذكاء، فعل يعقل أن حكومة ذكية تنفق كل جهودها على قطاع تعليمي مدمر؟

لا يحتاج هذا القطاع إلى تدمير أصلاً.

هذا في التحليل الواقعي، اما الخطاب الحكومي لديه رأي مختلف، يروج إلى وجود مؤامرة تحاك ضد التعليم، ولأنه يريد الابتعاد عن اصل المشكلة ذهب لصنع ازمة قال إنها في طور التكوين وخارجة عن إرادته، فهو يقول أن البعض يريد اسقاط هيبة المدرس التي تعد الحصن الأخير للتعليم.

هذا غير صحيح، فالهيبة سقطت عندما تشققت جدران المدارس، وصار الدوام ثنائياً وثلاثياً.

هيبة المدرس تسقط عندما يذهب طلبته إلى الدورات الخصوصية لعدم ثقتهم بشرحه.

السقوط المدوي لسمعة التعليم هو إعلان وزارة التربية عن الدور الثالث الذي لا توجد أي ضرورة علمية لوجوده، ثم تلغي هذا القرار، قم تعود لتتريث في الإلغاء، ولا نعرف ما هو القرار النهائي لها.

لا توجد مؤامرة على التعليم في العراق، بل يوجد سوء إدارة، وهذه الإدارة السيئة هي نتيجة طبيعية للمحاصصة الحزبية التي تحول الوزارات إلى اقطاعيات حزبية لا علاقة لها بالتطوير والتخطيط للقطاعات الاستراتيجية.

اضف تعليق