الثقافة العربية والإسلامية، في جوهرهما هما تجسيد الوعي بضرورة صنع الحاضر،وفقا للاختيارات الفكرية الكبرى، التي تتناغم وروح تلك الثقافة وجوها العقدي والحضاري.. والمثقف الحق هو الذي يتمكن من تحقيق مقولات الوعي في الواقع الخارجي.. وحتى يتمكن المثقف من تحقيق هذه المسألة من الضروري أن يكون مبدعا وخلاقا لكي يستمر عطاؤه الثقافي وصولا إلى صنع الحاضر وفق متطلبات الوعي واختياراته..

وأن المثقف المبدع هو الذي يبقى قلقه الفكري والثقافي مفتوحا لمواصلة البحث والحفر المعرفي والمراجعة والتطوير، بحثا عن صيغ وأطر جديدة للارتقاء بمستوى المعرفة والثقافة إلى الأمام..

وهكذا يصبح القلق الثقافي شرط الإبداع ووسيلته في آن واحد، ويصبح الأداة الأمينة للانتقال من وضع ثقافي إلى آخر أرقى وأعمق.. فالقلق الثقافي، وحضور غايات الثقافة وأهدافها في شخص المثقف وعطائه هما البداية الأساسية لتشكيل المناخ الملائم للإبداع الثقافي والفني والأدبي..

فالإبداع على المستوى الثقافي ليس صدفة أو بعيدا عن نواميس وقوانين الثقافة في المجتمع، بل هو ثمرة تطور طويل وتراكم تاريخي – ثقافي يؤدي أو يتوج بعملية الإبداع على الصعيد الثقافي..

فالقلق الثقافي، الذي يعني الحضور المستمر للهمّ والتطلعات الثقافية والعقلية، كان هو القاسم المشترك بين جميع المبدعين وأصحاب العطاءات الثقافية المتميزة.. وأن الإبداع كتطلع يتطلع إليه أي مثقف أو فنان مرتبطا بمجموعة من العوامل الموضوعية والذاتية معا.. وهذه العوامل تتكون وتتراكم تبعا لشروط وخصائص ذاتية.. ويبقى لإرادة المثقف وكفاحه المعرفي والثقافي الدور الأساسي في تذليل العقبات التي تحول دون الإبداع الثقافي.. والذي نريد أن نؤكد عليه في هذه الحالة، هو مسألة الوعي فالمزيد من الوعي وحضوره الدائم في حياة المثقف، هو الكفيل بتحقيق إبداعات ثقافية وأدبية..

والوعي هنا ليس وصفة طبية نأخذها أو عملا كميا نقوم به أو قراءة لمجموعة من كتب الدراسات الثقافية والأدبية، إنه استيعاب تام للحالة الشاملة التي يعيشها المثقف ويتطلع إليها، استيعاب لا يؤدي إلى التفاؤل الكاذب أو التشاؤم الذي يشل التفكير ويمنع الإرادة من فعلها.. إن هذا الوعي الذي ينطلق من حالة موازنة دقيقة ورشيدة للتطلع والممكن، وللواقع والمفروض.. هو الذي يحقق للمثقف أو الأديب القفزة النوعية في عطائه وإنتاجه.. كما أنه ( الوعي ) يحقق للثقافة المزيد من الانتشار والتوسع وكسب الأنصار على المستوى المجتمعي.. والوعي كما يبدو ليس مطلبا سهلا يمكن تحقيقه بين يوم وآخر أو ليلة وضحاها، إنه القراءة المستمرة للواقع بكلياته وتفاصيله، بأحداثه وتطلعاته برجاله ومؤسساته، بكوابحه وآفاقه..

لهذا فإن إبداع المثقف مرتبط بشكل أساسي بطبيعة علاقته بواقعه، والظروف التاريخية التي يمر بها. فإذا كانت لا تربطه بواقعه أية علاقة ثقافية وعقلية وجدلية، فإنه لن يتمكن من الإبداع، لأن النواة الأولى للإبداع هي التفاعل الإيجابي بين المثقف وواقعه، وهذه العلاقة تنتج معالجات وإبداعات تنسجم واللحظة التاريخية.. فتفاعل المثقف مع الواقع، لا يعني الخضوع إلى معوقاته أو الدخول في نفق ليس بالإمكان أبدع مما كان.. إن التفاعل يعني تهيئة الشروط النفسية والعقلية للاستيحاء من الواقع، الأعمال الأدبية والثقافية التي يقوم بها الأديب أو المثقف.. إن الواقع بمثابة التيار الكهربائي العاري، يلدغ ذلك المرء الذي لم يأخذ في حسبانه عمليات السلامة، ومتطلبات الاحتراز من السلك الكهربائي..

إن الأرض الخصبة التي تؤهل الأديب أو الفنان، لعمليات الإنتاج الأدبي أو الثقافي المبدع هي التي تتشكل من جراء التفاعل الرشيد بين المثقف والواقع لا لكي يُخضع المثقف مقاييسه ومعاييره المعرفية إلى الواقع، وإنما لكي يكون إنتاج المثقف ذا جدوى وفائدة عملية على صعيد الواقع..

لأن ابتعاد المثقف عن عصره وواقعه يؤدي إلى تكثيف العناصر الكابحة في ذهن المثقف وواقعه المانعة لعمليات التجديد والإبداع..

إن الانعزال عن العصر والمجتمع يؤدي إلى توهج الذكريات، وتهيمن إنجازات ومكاسب ماضي المثقف على حاضره، وتجره بشكل ميكانيكي إلى القبول بالأمر الواقع والعيش على إنجازات الماضي أو الآخرين..

إن بذرة الإبداع تنمو في حياة المثقف، حينما يبدأ المثقف وفق منهجية مدروسة وواعية للتفاعل مع قضايا عصره وعلومه.. ويبدأ هذا التفاعل بنقد الواقع معرفيا وفنيا ومن ثم يبدأ المثقف بتوليد المعرفة الجديدة المبدعة..

فالمثقف المبدع ينشر الجديد دائما ويقدمه فنا أو أدبا أو علما، ولكنه فيما يقدم من إبداع وصناعة لا يمكن أن يخرج كليا عن مستوى التقدم الذي بلغه مجتمعه بوجه عام ومقدار تمثل الفرد للإبداعات السابقة، والإفادة منها بشكل خاص.. أي أنه محكوم نسبيا بمعطيات الوجود، وقفزته نحو المستقبل أو المجهول محكومة المدى بمعطيات الماضي والحاضر ولكنها محمولة على أجنحة إمكاناته وقدراته وإرادته وقدرته على التخييل لتتوغل في المستقبل، وترتاد المجهول علها تحمل منه ثمرا وريحا وشعاعا، ينير للسالكين طريقهم وموضع خطوهم على ذلك الطريق.. " والمبدع في انشداده بين الماضي السحيق، والمستقبل البعيد يكشف عن وعي منه أو عن غير وعي، مسيرة الإنسانية، ويصدق فيه قول إليوت (فهو أكثر بدائية كما هو أكثر تمدنا من معاصره ")..(مشكلات في الثقافة العربية - علي عقلة عرسان –ص68)..

فالإبداع ليس وليد الفراغ وإنما هو حصيلة الخبرة والتجربة والمعاناة، والتفاعل المباشر مع قضايا المجتمع والأمة..

الحرية والابداع

في البدء ثمة حقيقة أساسية ينبغي بيانها والانطلاق منها، وهي ضرورة التفريق بين الدين كمجموعة من المبادئ والقيم الخالدة، التي تنسجم وفطرة الإنسان ونواميس الكون والوجود.. وبين الدين كما هو مُعاش وممارس.. وبالتالي قد تكون هذه الممارسة قريبة من تلك المبادئ أو بعيدة.. وعليه ومن خلال الإطار النظري الآنف الذكر، نجد أن الدين الإسلامي بالمعنى المعياري، لا يقف حجر عثرة تجاه الإبداع البشري بكل صوره وأشكاله وأجناسه، وإن ما تعانيه ساحاتنا العربية والإسلامية على هذا الصعيد، ليس وليد قيم الدين وإنما تدخلت عوامل سياسية وثقافية واجتماعية لوجوده، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نعتبر قيم الدين هي المسؤولة عن هذا الواقع..

فالدين الإسلامي أطلق للإنسان الحرية التامة في التأمل في الموجودات والوصول إلى حقائق الكون والحياة من خلال إعمال العقل والاجتهاد والتفكير والإبداع.. وإننا مع الإبداع البشري الذي يثري حياتنا معرفة وحيوية وجمالا.. وفي ضوء ذلك ينبغي أن لا تتحرك إبداعات المبدعين في دائرة التكفير وعدمه، بل تكون خاضعة للبحث في سلامة التأويل من حيث المنهج العلمي في فهم النص وعدمه، عله يكون أساس مناقشة المفردات والمعطيات التي يقدمها كل فريق أمام الآخر..

وربما يقودنا الحوار الموضوعي إلى حقائق جديدة وقناعات جديدة متميزة كما أننا ندعو إلى ذلك لا من موقع العقدة من التجديد والإبداع والتنوير بل من موقع الرغبة في أن تكون لنا أصالتنا الثقافية ومرجعيتنا الحضارية..

فشرارة الإبداع تتقد حينما تنداح تلك الأسئلة من المثقف التي تضعه وتضعنا أمام حقائق الحياة ومقوماتها..ولا فرق في ذلك بين الإبداع الذي يقصده أفلاطون (التعبير عن عالم المثل) أو ما قصده أرسطو من أنه (محاكاة الطبيعة ثم التسامي عليها) أو ما قصده "كانت" من أن الإبداع (طريقة جمالية في إظهار الشيء)..

وحسب كل هذه المعاني والمصطلحات لابد من توفر علاقة حميمة بين المثقف والواقع لا للخضوع له، وإنما لمعرفة حقائقه والتفاعل الخلاق معها لصناعة النص المبدع..

فالقاعدة الاجتماعية لإبداع المثقف هي أن يكون في حالة حركة وصيرورة مع مجتمعه ومحيطه الإنساني، وبعيدا عن حالات الجمود والكسل الفكري.. حينذاك يبدأ المثقف بإنتاج عطاءاته المبدعة.. وبالتالي فإن إبداع المثقف في محيطنا مرهون بالنقاط التالية:

في مدى علاقته بالثقافة: فالمثقف الذي يعتبر الثقافة وظيفة له، لا يرتبط معها بأية روابط حب وتفاعل وتفان من أجل العلم والمعرفة..وأن هذا المثقف سيبقى يكرر ما ينتجه الغير ولن يتجاوز سقف العطاءات الثقافية المتوفرة في الساحة.. بينما المثقف الذي يرقى في علاقته بالثقافة إلى مستوى الحب والعطاء والتفاعل، فإن هذا المثقف مع مرور الزمن سيتمكن من الإبداع في حقله المعرفي والثقافي..

في مدى علاقته بالتحديات والتطورات التي تجري في ساحة الأمة العربية والإسلامية: فالمثقف الذي يصنع لنفسه حاجزا يحول دون التفاعل وهذه القضايا (التحديات والتطورات) لن يباشر أي دور مبدع في حياته العلمية والثقافية، لأنه منع عن نفسه منبعا من منابع الإبداع، ألا وهو التحديات والتطورات، فهي بمثابة الحافز الذي يستفز كل القوى والطاقات الذهنية والفكرية،للإتيان بالجديد بما يناسب تلك التحديات والتطورات.. لأن بداية الثقافة والمعرفة مساءلة، ومن ثم مشاركة في توليد معلوم من قيم الثقافة وخطوطها الكبرى..

إن الحرية قيمة مقدسة لدى كل الديانات السماوية والنظريات الإنسانية، فلا نحولها ببعض التصرفات وكأنها تقف بالضد من خيارات الأمة الحضارية.. إننا في العالمين العربي والإسلامي، بحاجة إلى تلك الجهود الفكرية والثقافية والأدبية، التي تؤصل قيم الحرية وحقوق الإنسان والتعددية، وهذا لا يتأتى إلا بنشاط فكري نوعي ومتواصل، لا يأبه بالمعوقات، ولكنه في ذات الوقت، لا يدخل المجتمع في معارك وهمية أو جزئية أو لا تؤدي إلى الوصول إلى الأهداف العليا..

إننا مع خيار الحرية للأكاديمي والباحث والمثقف والأديب والمفكر والصحافي، ولكننا في ذات الوقت نرى أن طائفة من الأدباء والمثقفين لا تحسن التعامل مع هذه القيمة، ولا تجيد التعامل الإيجابي مع هذا الخيار..

وما نطالب به هو أن نستفيد من قيمة الحرية في التنمية وبناء التقدم الاقتصادي وتطوير الواقع الاجتماعي وبناء حياة ثقافية حية ومتميزة وفاعلة على كل الصعد والمستويات..

إننا مع الحرية بمضامينها السياسية والمدنية، وأشكالها الفردية والمؤسساتية.. فنقف مع حرية التعبير والرأي ضد كل أشكال الاستبداد وسياسة تكميم الأفواه، ولكننا في الوقت ذاته ضد التجديف في الدين ومعاداته ومحاربة قيمه ومقدساته..

إننا مع الحرية لكل قوى المجتمع فرادى وجماعات، ولكننا في ذات الوقت وبدون تناقض أو مقايضة مع احترام قيم الدين ومقدساته ورموزه.. فالمطلوب دائما أن نمارس حريتنا وحقوقنا، دون التجديف في الدين.. ويخطئ من يتصور أن لا حرية مع احترام قيم الدين ومقدساته..

فكما أن الحرية قيمة بذاتها كذلك هو الدين، ولا يجوز بأي شكل من الأشكال معاداته.. فإهانة المقدسات، لا تقود إلى تكريس قيم التنوير في المجتمع، وإنما تزيد من أوار الاضطرابات، وتفاقم العصبيات وتدخل الجميع في نفق مظلم مليء بالتهم والتخوين والتكفير..

وجماع القول: إنه من وهج الحياة وتفاعل المثقف معها، تتولد حالات الإبداع في حياة المثقف.. فحيوية حضور المثقف في العصر، هي القاعدة المعرفية والمادية لعملية الإبداع في مستوياتها المعرفية المختلفة..

اضف تعليق