يتعين على العراقيين والعالم الخارجي الانتظار والتعامل مع ماراثون سياسي معقد، قبل ان يتمكن سياسيو العراق من اعادة تشكيل السلطات الثلاث.

التقديرات تشير الى ان الانسداد سيتواصل بسبب انقسام الشيعية السياسية الى جناحين رئيسيين، وغياب تيار ثالث مؤثر وضاغط، مع احجام واضح من المؤسسات الاخرى ذات الثقل المعنوي عن التدخل، وسيكون لكل ذلك اثر بالغ في اطالة امد الانتهاء من ازمة الاختلاف على نتائج الانتخابات، في الطريق الى الحل، ستفقد الارقام البرلمانية قيمتها السياسية وسيصار الى الاخذ بحجوم وتأثير الاجنحة والكتل على الارض وليس بما حققته في الانتخابات، فالعقل السياسي ليس مستعدا بعد للتسليم الواقعي والشكلي بما تحقق في صناديق الاقتراع، وستكون ستراتيجية التشكيك والطعن، حجر الزاوية في ابقاء اصوات كتل وقوى، عالية وضاغطة، حتى لاتترك ساحة التأثير السياسي.

والى ان يحين موعد القبول والاقرار بالتوافقات والصيغ السياسية، فان عمر حكومة تصريف الاعمال سيطول، كما ان قدرة الحكومة ووزاراتها على معالجة الازمة الاقتصادية والمشكلات المتفرعة منها، ستكون محدودة للغاية، اي ان فرصة العراق للافادة من ارتفاع اسعار النفط وتحسين اداء الاقتصاد الكلي، وفتح افاق جديدة للاستثمار والنمو الاقتصادي ستتقلص بغياب حكومة قوية ذات صلاحيات كاملة وبرلمان يشتغل بأجندة جدية لمعالجة المعضلة الاقتصادية.

التوقعات تشير ايضا الى ان الاستقطاب الثنائي الشيعي لن يصل الى توافق يفتح المجال لتشكيل الحكومة الا بعد ان يضمن كل جناح فرصه في هذه الحكومة لمنع الجناح الاخر من تنفيذ غاياته، واغلب الظن ان التوافق سيقود الى طرح مواصفات رئيس للحكومة، مرن مستجيب لطموحات وشروط واهداف الكتلتين الرئيستين، اي انه لن يكون قادرا على رفض املاءات كل جناح وتدخلاته في السياسات العامة، فضلا عن وزراء تكنوقراط او سياسيين مهمتهم ايقاف تغول ممثلي الجناح الاخر.

ما وصلت اليه الساحة السياسية الشيعية هو نتاج طبيعي لممارسة السياسة بمفهوم غرائزي دافعه الصراع والدفاع عن الحيز الشخصي والحزبي والكتلوي، كل جناح من الجناحين يخشى من هيمنة الجناح الاخر، ويرسم سردية متخيلة لما يترتب على تلك الهيمنة من نتائج عليه وعلى جمهوره وخطابه السياسي.

ان الخوف من المستقبل ومن المجهول السياسي والشك العميق بنوايا الاخر، سيعقد مفاوضات الاطراف المتعددة الرامية الى تقاسم السلطات وبناء الهرمية الحاكمة، وقد بالغت الاطراف المتنافسة في ايصال رسائلها، بما أكد (استحالة) تنازل كل جناح رغم المخاطر المتصاعدة أمنيا وسياسيا، وتزايد حدة الاضطراب الاقليمي.

لكن هذه المخاطر لن تدفع جناحا الاستقطاب الى طرح الحلول الوسط مبكرا، فمازال السقف عاليا لدى كل طرف، فيما تنتظر القوى السنية والكردية انتهاء الازمة الداخلية الشيعية قبل ان تشارك هي الاخرى في مفاوضات الثلث الاخير، ماذا عن الفاعل الاقليمي والدولي المؤثر في اخراج التوافقات وعقد الصفقات؟

فيما سبق كان لكل من طهران وواشنطن والنجف اسهمهم في اخراج التوليفات الحكومية، وكان واضحا ان الحجوم الانتخابية لم تكن حاسمة ومفصلية، بل تدخلات الفاعلين المشار اليهم، هذه المرة ثمة تغيير في المشهد، اذ لم تعد صيغة (الترويكا السياسية) هي اصل المشكلة، فالازمة ليست بين الكورد والشيعة والسنة كما كانت، بل ان الاختلاف الشيعي -الشيعي هو جذر الازمة راهنا، عليه لابد من حلحلة هذا الاشتباك والاستقطاب العالي وزحزحة فكرة الهيمنة على القرار الشيعي من الزعامات المتنافسة عليه، هذه الزحزحة لن تتحقق الا بعد ان يتحرر طرفا الاستقطاب من الخوف المزمن من الاخر، في هذا المقطع الزمني سيحضر دور النجف وطهران بوضوح دونما تأثير مباشر من الفاعل الامريكي، لكن هذا الحضور لن يتمظهر الا بعد ان تفشل المفاوضات الحالية وتزداد سخونة المشهد السياسي.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق