كثيرا ما تحصل حالات ولادة سيامية لتوأمين برأس واحد او يرتبطون ببعض الأجزاء من الجسد، ما يجعل حركتهم واحدة في اغلب الأحيان، ويتشاركان في العديد من الأفعال وردود الفعل وغيرها من الوظائف الجسدية، هكذا يمكن ان نربط الوضع الأمني في العراق وتراجعه مع الفوضى السياسية الحاصلة في الساحة عقب ظهور نتائج الانتخابات المبكرة والتي صعّدت قوى وطمست أخرى.

فمنذ تغيير النظام وما تلاه من سنوات سوداوية عمت فيها الفوضى الأمنية، وتضاعفت نسب الاحداث الاجرامية، من قتل وسلب، وتفجيرات هنا وهناك، حتى تحول العراق الى بيئة غير صالحة للعيش، الا ان اهله قد يكونوا مجبرين على البقاء، وتحملهم هذه المعاناة، بسبب ارتباطاتهم الاجتماعية والمصالح اليومية بالإضافة الالتزام بالوظائف الحكومية وغيرها من الأمور المتعلقة بالمعيشة او الشعور بالوطنية والتمسك بتراب الوطن من الضياع.

وعند نشوء الفوضى السياسية لم تكن وحيدة في المشهد العراقي، اذ يوجد إلى جانبها فوضى امنية عارمة، حتى اعتاد المواطن على التنبؤ بالأوضاع الأمنية، على خلفية متابعته ومجاراته للأوضاع السياسية وكيف تجري الاحداث، فعندما تتصاعد حدة الخلافات، يقابلها ارتفاع في اعداد الانفجارات وتصعيد في الهجمات البشعة التي تنفذ ضد الأبرياء، واستمرت الحالة تسير على هذا المنوال لغاية اليوم على الرغم من تطور إمكانيات القوات الأمنية في العدة والعدد.

وآخر هذه الشواهد على الترابط الوثيق بين الجانبين الأمني والاستقرار السياسي هو الخرق الذي استشهد وجرح نتيجته أكثر من ثلاثين شخصا، جراء هجوم مسلح نفذته عناصر داعش الإرهابية في قضاء المقدادية، اذ يعبر الهجوم عن هشاشة الوضع الأمني في تلك المناطق بالرغم من تواجد العديد من التشكيلات الأمنية والفصائل المسلحة التي تضطلع بحماية الأهالي هناك.

إذا صدقت التنبؤات التي تؤكد هذا التمازج الكبير بين الجانبين، وتفوح رائحة الكثير من الأسئلة المتعلقة بالوضع الأمني في البلاد، لا سيما مع تصاعد وتيرة الاحداث بالتزامن مع الاحتجاجات في مناطق كثيرة من العاصمة بغداد، اعتراضا على النتائج التي اذاعتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وتأكيدها الانتهاء من عمليات العد والفرز اليدوي في المحطات الانتخابية المطعون بها في عموم العراق، مشيرة إلى عدم إمكانية إجراء عد وفرز يدوي عام، لأن ذلك يتطلب تشريعا قانونيا، وهو ما تطالب به الكتل المعترضة.

تلويح الكتل السياسية الخاسرة، بأن هذه النتائج ستهدد السلم الأهلي في العراق، فيما لو تم المضي بعملية تشكيل الحكومة العراقية الجديدة وفق النتائج الأخيرة، يعني ان المنظومة الأمنية اما مخترقة او مسيسة بصورة كبيرة، وفي كلتا الحالتين تكون النتائج وخيمة على الوضع الاجتماعي وحالة السكون النسبي الذي تشهده مناطق العاصمة.

فاذا كانت مسيسة يعني هذا ان الجهاز الأمني في العراق يمكن ان يوظف بأي وقت ارادته الجهات المتحكمة فيه، وهذا ما حصل بالفعل عندما قامت جهات معروفة لدى الجميع، من مهاجمة المنطقة الخضراء ومحاصرتها في موقف معين، تحتفظ فيه ذاكرة جميع العراقيين الى الآن، الامر الذي يضعف هيبة القوات الأمنية التي تكافح من اجل استتباب الامن تحت الضغوطات المختلفة.

اما إذا كانت مخترقة فهنا الامر أكثر خطورة من الأول، اذ ينذر بوقوع الكوارث المؤكدة، واقتراب الموت من حياة المواطنين الذين اخذت ثقتهم تتزعزع بالأجهزة الأمنية، التي لم تتمكن من القضاء على بقعة السوداء التي يتم من خلالها الاختراق المفترض، وبالتالي تسيطر على الأوضاع المتدهورة بصورة تدريجية.

الاستثمار في أوقات الرخاء كما هو الاستثمار في الأوقات العصيبة، اذ تعمل الكتل السياسية حاليا الى استثمار الفوضى الأمنية لتمرير ارادتها من خلال ترجمة ما يحصل في إطار الصراع المستمر بين المكونات وضرورة التكاتف بين أعضاء المكون الواحد ضد الآخر ضمن متلازمة هم ونحن التي قضت على المشروع الوطني العراقي واذاقت شعبه الويل.

التطور الأخير على ارض المعركة السياسية في العراق يبقي الباب مفتوحة على العديد من الاحتمالات التي سيتم بها تدارك الاحتقان الأمني الحالي، فتضارب المواقف السياسية عن طريق ترتيب الاستحقاقات الدستورية للمكونات الثلاث، تضعنا أمام سيناريوهات سوداوية عديدة بانتظار الشارع العراقي، الذي يبدو هو الآخر غير مطمئن لطبيعة المستقبل الذي ينتظره.

اضف تعليق