عندما تتطلع على السير الشخصية لجميع الساسة العراقيين تخجل من التدقيق فيها، فترى أحدهم حاصل على درجة العالم في الكيمياء وآخر في المجال النووي، وثالث في علم الفلك وغيرهم في مجالات علمية شتى، حتى انهم شاركوا في دول العالم بمختلف الفعاليات العلمية وحصلوا على اشادات دولية لا يمكن ان يحصل عليها أحد غيرهم في مجال اختصاصهم.

لكن مع هذا التفوق العلمي الذي ذكرناه، بعض الشخصيات لم يحالفها الحظ وتحقق النجاح عندما تقلدت مناصب مختلفة في العراق ما بعد تغيير النظام على ايدي قوات التحالف، فخذ على سبيل المثال النائب حسين الشهرستاني الحاصل على مرتبة العالم باختصاصه، لكنه لم يحسن اختيار المحطات الكهربائية عندما انيطت اليه مسؤولية التعاقد مع الشركات الأجنبية.

وبالتالي جاءت المحركات تعمل بنظام الديزل فضلا عن قدمها في بلدان منشأها، وأصبحت عبئا إضافيا على البلد، ولم تُحسن من حال الطاقة الكهربائية في العراق منذ أكثر من ثمان عشر عاما، ولم يقتصر الفشل على مجال الطاقة الكهربائية بل تعداه الى المجالات الأخرى، ففي التعليم الوضع من سيئ الى اسوء، وفي الصحة لا يختلف الامر مطلقا ...الخ.

فماذا جنينا من الكفاءات العلمية التي حكمت العراق منذ زمن التغيير ولغاية الآن؟ لم نجن سوى الخراب، ما هو السر؟، ولماذا لم تصلح ما أفسده الدهر على ايد الحكام المتعاقبين على حكم البلد؟، هل الخلل في الشخوص ام في البيئة التي يعمل فيها الأشخاص بصورة عامة؟، ام في كيان المنظومة القائمة لغرض تحقيق الإصلاح المنشود وجلب مستخلص الشفاء من هذا المرض العضال.

النتائج المترتبة على الواقع تخبرنا بالفشل الذريع الذي جاء على خلفية التصدي من قبل هذه الشخصيات التي تحمل فكرا عميقا من الناحية النظرية ولم تتمكن من تكوين الخلطة السحرية لإنقاذ الوطن الذي يأن من كثرة جراحه ولم يجد من يسعفه وينقذ حياته من الضياع، وحتى القادمين في العهد الجديد لم يوظفوا ما لديهم من تراكمات علمية في خدمة الشعب.

عملية البناء والإعمار تحتاج الى وقت طويل ولم تتحقق بيوم وليلة، وهو سر الفشل الذريع الذي وقعت فيه النخب السياسية، فلم تتمكن من بناء وتقوية شبكات الثقة بينها وبين المواطنين، وبقيت الفجوة كبيرة لا يمكن ردمها واذابتها عبر عصارة الأفكار التقدمية التي تعطي الحلول وفق المعطيات الموجودة والتحديات التي تفرضها طبيعة البلد الخارج من ركام الاحداث الدموية.

ولذلك فالاعتقاد الذي رسخته الطبقة الحاكمة بانها قادرة على اصلاح الوطن والوصول به الى منطقة الأمان، فهو اعتقاد خاطئ وبرهنت زيفه السنين العجاف التي عاشها الشعب بزمنهم، وتجرع كأس المرارة من خلال وعاء الكذب والتسويف واللعب بمقدرات الشعوب المقهورة.

هذه الطبقة الحالية لم تتمكن من خلق علاقة تخادمية بين التنظير والتطبيق، وبقي الصراع بينهما قائم دون حاسم، اذ تستمر أصوات عدم الانسجام بينهما وتصرح مللا من حالة التخبط وعدم التطابق بين الجانبين النظري والعملي وادى هذا الى حصول خلل الكبير في البنية العمرانية.

وربما يعود أحد الأسباب المؤدية لهذه النتيجة هو عدم البقاء في البلد، اذ لكل نائب وجهة هو موليها بعد انتهاء مدة خدمته التي قضاها مع تقاضي نسبة عالية من الامتيازات، ولذلك لا يهمه ماذا سيقدم وما يحتاجه المواطن منه خلال فترة توليه المنصب، وبالتالي فوجوده يأتي ضمن سياسة ملئ الفراغ التوافقي بين الكتل السياسية التي تقاسمت المناصب ووزعتها بالتراضي بعيدا عن هموم الشعب.

يذكرنا التاريخ بتجربة قريبة حصلت في ستينيات القرن المنصرم، وهي التجربة السنغافورية، بعدما وجهت اليها ماليزيا صفعة عام 1965، فقد عانت كثيرا هذه الجزيرة بمواردها المحدودة وكذلك من الفساد الإداري والمالي والأمني، اذ كانت تصنف سنغافورة آن ذاك واحد من أخطر الأماكن في العالم لتعرضها للجرائم والسرقات فقد كان يسودها انفلات أمني بشكل كبير جداً.

وخلال عودة "لي كوان يو" من جامعة اكسفورد رأى ما وصلت إليه بلاده من مستوى التخلف والرجعية مما كان يزيده ذلك أكثر حسرة وندامة على وطن ينظر إليه البعض بأنه خارج الكوكب الأرضي جاءت الانتخابات البرلمانية وفاز "لي كوان يو" بمنصب رئيس وزراء الجمهورية السنغافورية وحكمها لمدة ثلاثة عقود متتالية صنع نهضة حديثة في ظل تلك الظروف الصعبة والشاقة التي شهدتها بلده.

وبعد عمل دؤوب ومثابرة حقيقية واهتمامه بالقواعد الأساسية لنهضة بلد ما ومن أهمها التعليم، انظر كيف أصبحت سنغافورة، وأين وصلت، أصبحت الآن رابع أهم مركز مالي في العالم، وخامس أغنى دول العالم من حيث احتياطات العملة الصعبة، وتحتل المركز الثالث ضمن البلدان الأكثر تصديرا للعملة الأجنبية حيث يصل إلى سنغافورة خمسة مليون ونصف سائح سنوياً، وبلغ معدل الدخل الفردي من النتاج القومي الإجمالي أربعة وستون ألف دولار في عام 2013م لتحتل سنغافورة الترتيب الثالث على مستوى العالم، ومعدل البطالة لا يصل إلى ثلاثة بالمائة وتعتبر المركز المالي والتكنولوجي الأول في المنطقة.

هذه التجربة الحية تعيد بنا الامل بأن البناء والنهوض ليس من الأشياء المستحيلة، فقط تحتاج لمن ينوي تطبيقها حرصا منه على شعبه ووطنه، فهل يظهر لنا "لي كوان يو" آخر بنسخة عراقية يحول بلاد الرافدين ويجعلها سنغافورة الثانية؟

اضف تعليق