لم ينجلِ غبار الانتخابات (المبكرة) بعد، ولا غبار التصرفات غير المهنية لمفوضية القضاة، ولا فوضى الارقام التي لم ترضِ اغلب حائزيها. لكن من بين هذه الظلمات الثلاث، امكن رؤية ملامح الخارطة السياسية الجديدة للبرلمان الخامس في الجمهورية الثالثة (الاولى: الضباط عبد الكريم قاسم وعبد السلام واخوه عبد الرحمن محمد عارف. والثانية: جمهورية البعث. والثالثة: جمهورية المحاصصة). اتضحت الملامح بشكل يكفي للاجابة عن السؤال: ما الذي لم يتغير؟ بهامش خطأ صغير جدا ان وُجد. واليكم محاولة اولى للجواب.

اولا، لم تتغير علاقة عدم الثقة بين جمهور الناخبين وبين النظام السياسي واحزابه الحاكمة. 41 بالمئة من هؤلاء توجهوا الى صناديق الاقتراع، فيما فضل 59 بالمئة منهم البقاء في بيوتهم لاسباب شتى.

الذين ذهبوا الى صناديق الاقتراع هو جمهور الاحزاب. وبحسب النتائج المعلنة فان حوالي 22 بالمئة من هؤلاء هم من التيار الصدري، وهو حزب شعبي. و 15 بالمئة من السنة، و 12 بالمئة من المستقلين. والبقية من مختلف الاحزاب الاخر، بما فيهم حزب “امتداد” الذي اسسه احد قادة التظاهرات الاحتجاجية، وفاز بتسعة مقاعد، اي بنسبة 7.2 بالمئة من مجموع مقاعد البرلمان. وهذا يعني ان الانتخابات المبكرة لم تتمكن من اعادة بناء جسور الثقة بين النظام السياسي وعموم الناس، ولم تستطع ان توصل الى قاعة البرلمان الذين كانوا ينادون بتغيير النظام السياسي.

سلوك انتخابي

ثانيا، لم تغير الانتخابات المبكرة القاعدة الاساسية التي تتحكم بالسلوك الانتخابي للناخبين العراقيين، وهي التصويت على اساس الانتماء الاثني (العرقي او الطائفي). فكما حصل في المرات الاربع السابقة صوت الناخب الكردي للمرشح الكردي، والناخب الشيعي للناخب الشيعي، والناخب السني للناخب السني.

وهذا يعني ان الانقسام السياسي على اساس اثني مازال قائما، وان المجتمع السياسي العراقي مازال عاجزا عن انتاج حزب “وطني”، اي حزب عابر للتخوم الاثنية. فمازالت الاحزاب، بمرشحيها وناخبيها، اي جمهورها، احزاب اثنية، اما عرقية او طائفية. وهذا بحد ذاته من معيقات بناء الدولة بصورة عامة، فما بالك بالدولة الحضارية الحديثة.

ثالثا، لم تستطع الانتخابات المبكرة انتاج عدد قليل من الاحزاب من بينها حزب كبير واحد.

توجد دراسات منوعة تبحث في عدد الاحزاب وحجومها في النظام الديمقراطي، سوف اغض النظر عنها في هذه المقالة لانها لا تنطبق على حالة مجتمعنا العراقي، وسوف اقترح بدل ذلك “مسطرة” لقياس حجوم الاحزاب العراقية بالنسبة الى عدد اعضاء مجلس النواب وهو 329 نائبا.

بناء على هذا يمكن ان تكون قياسات الاحزاب الممثلة في البرلمان كما يلي:

الحزب الكبير (L) وهو الحزب الذي يملك اغلبية مطلقة مؤلفة من 166 نائبا على الاقل. وهذا هو العدد المطلوب لمنح الثقة للحكومة. (يكون عدد نوابه 166 فاكثر)

ليس لدينا مثل هذا الحزب منذ اول مجلس نيابي تشكل في الجمهورية الثالثة (2003 الى الان).

وهذه هي احدى المشكلات بل العقد الكبرى التي تواجه الحياة السياسية في العراق. والسبب في ذلك ان الاحزاب العراقية تشكل على اساس الانتماء العرقي أو الطائفي وليس على اساس المواطنة. وهذه اسباب فرعية. ثم تنقسم هذه الاحزاب على اساس الزعامة او غيرها من الاسباب الفرع-فرعية.

ولهذا اصبح لدينا تعددية مفرطة وليس تعددية طبيعية، اذاً لم تنتج الانتخابات المبكرة حزبا كبيرا واحدا.

الحزب المتوسط الحجم (M) وهو الحزب الذي يملك حوالي ثلث عدد مقاعد البرلمان اي 100 نائب، او (100- 165)، وايضا ليس لدينا حزب متوسط الحجم حيث لا يوجد حزب حقق 100 مقعد نيابي حتى الان.

3. الحزب الصغير(S)، الذي يملك نصف العدد المتبقي من المقاعد النيابية، اي 31 مقعدا او (32-99)، لدينا الان اربعة احزاب صغيرة هي: التيار الصدري (73)، تقدم (37، دولة القانون (34)، الحزب الديمقراطي الكردستاني (32).

الحزب الصغير جدا (XS ) وهو الحزب الذي يملك نصف المقاعد المتبقية، اي 16 مقعدا او (16-31)، لدينا الان حزبان صغيران جدا واحد، هما: الفتح (17)، وتحالف كردستان (16).

الحزب المجهري microscopic party وهو حزب صغير جدا جدا جدا لا يكاد يُرى بالعين السياسية المجردة في البرلمان او في الحياة السياسية عامة، وهو الحزب يتراوح عدد نوابه من (1) الى (15) نائبا. ولدينا الان 25 حزبا مجهريا، بينهم 16 حزبا بنائب واحد، وحزب واحد بنائبين، وحزب واحد بثلاثة نواب. وهذه ظاهرة خطيرة ومرضية جدا، ولدينا 40 نائبا سوف يدخلون البرلمان بصفتهم “مستقلين”، اي غير منتمين الى اي حزب من هذه الاحزاب الموجودة.

خارطة حزبية

هذه الخارطة الحزبية المشتتة لمجلس النواب ليست جديدة، انما هي مشابهة بهذه الدرجة او تلك لما كان الحال عليه في مجالس النواب السابقة. وهذا عيب كبير في الحياة السياسية في العراق. ومن نتائج هذا العيب انه يجعل تشكيل الحكومة بعد كل انتخابات امرا صعبا جدا.

وهو عيب يجب معالجته عن طريق قانوني الاحزاب والانتخاب، وعن طريق الوعي السياسي المستند الى ثقافة سياسية راقية، وهذا هو الأهم، وقد اقترحت في مقالات سابقة بعض المبادئ والافكار العملية الاجرائية التي تستهدف تقليل عدد الاحزاب فلا اعيد، هذه ثلاث ظواهر لم تتغير في الانتخابات المبكرة. اكتفي بها الان، تاركا الظواهر الاخرى الى مناسبة ثانية.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق