بين مشاركة هي الاضعف منذ عام 2003، ونتائج صادمة للقوى الرئيسة في الاجتماع السياسي الشيعي، يستعد العراقيون لبدء مسيرة سياسية مختلفة نوعا ما، عما اعتادوه بعد اربع دورات انتخابية، فقد تشكل مشهد جديد ساهمت في صناعته الأخطاء العديدة التي ارتكبتها القوى السياسية لاسيما الاسلامية منها، وافكار الاحتجاج والسخط والاحباط التي انتجت حركة تشرين عام 2019.

بين تراجع قوى بعض قوى الاسلام السياسي التقليدي وتقدم قوى جديدة تبشر بالتغيير، جاء الصعود الكبير للتيار الصدري ليطرح اشكالية جدية امام القوى السياسية العراقية، فالتيار مصمم على ان يجعل حضوره في بنية السلطة حضورا قاطعا وحاسما وليس حضورا تكميليا توافقيا، انه يريد ادارة دفة الحكم مدفوعا بحماس شعار الاصلاح، والاصلاح الذي يعنيه مرتبط برؤية كانت تعبر عنها احاديث زعيم التيار وبعض وسائل اعلامه، فهو يعلن باستمرار انه ضد الفساد والمحاصصة وهو يعرف نفسه بوصفه تيارا اسلاميا بهوية وطنية واتجاه سياسي (وسطي) منفتح على محيط العراق العربي ويقر بخصوصية علاقات العراق مع ايران لكن شؤون العراق ينبغي ان تدار من النجف وليس بتأثير عواصم اقليمية ودولية.

مقولة الاصلاح الصدرية لا تبدو واضحة ببرنامج محدد يقدم بديلا واقعيا عن الواقع الحالي، فهل هو برنامج اصلاح شامل (دستوري، سياسي، اقتصادي)؟، ام انه يتضمن فكرة الاصلاح فحسب؟ دونما برنامج مدروس وقابل للتطبيق، وفيما اثبتت القوى المنافسة للتيار الصدري انها لم تكن في مستوى ينافس التيار من حيث القدرة التنظيمية والدعاية الانتخابية والجهاز التعبوي النشط، فلم تربح سوى اصوات جمهورها الثابت المبعثر، الا ان العنصر الجوهري الذي يفسر صعود التيار خلافا لتراجع منافسيه، هو تركيزه على الاحتفاظ بتماسك جمهوره وأولوية فوزه بالاقتصار على شعار الاصلاح والانقياد لزعيمه واثبات ارجحيته في الساحة الشيعية عبر استراتيجية (الاتصال والانفصال)، فهو يتبرء من اخطاء السلطة وضعف إنجازها.

رغم انه كان جزء مهما منها، وفي ذات الوقت كان مدافعا شرسا عن حصته في تشكيل بنية السلطات وتقرير مصير من يقود مجلس الوزراء، والاحتفاظ بمناصب عديدة كبيرة ومتوسطة في الوزارات المختلفة، قدرة التيار على المناورة والتحشيد جعلته يكسب رهان انتخابات عام 2021 المبكرة، بذلك يكون قد استفاد كثيرا من انقلاب المزاج الشعبي وحقق (تغييرا) على حساب غرمائه من احزاب وفصائل شيعية منافسه، وصار الطرف الاقوى في سباق السلطة مع الصاعدين الجدد من قوى تشرينية ومستقلة اقل حجما بكثير.

ابرز الخاسرين هم الذين كانوا طرفي نقيض في الاعتدال والتشدد (تحالف الدولة، الفتح) وخسارتهم تحتم دراسة (سيكو سياسية) لبرامجهم وخطابهم، فالدعوة الى دولة مقتدرة أو التركيز على مقولة الدفاع عن الحشد كأن هناك تهديد مصيري وشيك اثبت عدم جدواه، في كسب المقترعين ولم يكن اولوية جماهيرية، ولان الجمهور العام قاطع الانتخابات، لذلك لم يصوت لهم سوى جمهورهم الحزبي الثابت.

وقد اثبت التصويت ان هذا الجمهور ضئيل وامتداداته ليست كبيرة مثلما كانت وسائل الاعلام تصور ذلك، عليه صار مؤكدا ان المشهد السياسي سترسمه تحالفات التيار الصدري وتفاهماته، وسيتم استبعاد خصوم ومناوئين ومنافسين، وسيتم تكريس قيادة التيار بوصفه اسلاما سياسيا شيعيا مختلفا عن الذي سبقوه في التاسيس والتاريخ والحضور (بخصوصية) عراقية جديدة، جذورها الطبقات الفقيرة التي ترتضي زعامة اوحدية، ورمزية دينية -سياسية متوارثة، وانقياد غير مشروط لهذه الزعامة. نحن امام مشهد جديد سيكون فيه حضور لطهران وواشنطن اقل بكثير مما كان لهما فيه، وستكون ادارة التوازن بينهما مهمة ليست يسيرة، بلحاظ قدرتهما على التأثير في الداخل العراقي عبر حلفائهما واصدقائهما.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق