الانتخابات ليست هدفا بحد ذاتها، انما هي الية، وسيلة، لتحقيق اهداف اخرى. والاهداف الاخرى هو موضوع التنافس بين المرشحين في الانتخابات، مستقلين واحزابا.

طرحتُ في مقال سابق ثلاثة معايير لتقييم الانتخابات وهي: نسبة المشاركة، حصول طرف ما على اغلبية برلمانية، امكانية تشكيل حكومة اغلبية سياسية.

واليوم اتحدث عن الاهداف التي تشكل معيارا لتقييم الانتخابات وخواتيمها.

القاعدة التي انطلق منها في تقييم الكثير من الظواهر والاحداث هي مدى قدرة هذه الظواهر على تحسين حياة الناس، وتطويرها، وتيسيرها، وبالتالي اسعادهم. فالسعادة الفردية والجماعية، القائمة على اساس العدل والمساواة والحرية والامن والرفاهية، هي ما يسعى كل انسان الى تحقيقه، سواء في الدنيا، او في الاخرة اذا كان من المؤمنين بها. اما ما لا يسهم في تحقيق ذلك فهو لغو واضاعة للوقت والجهد والثروة.

لا يمكننا الزعم بان الاغلبية العظمى من العراقيين يشعرون بالسعادة، ولو في حدها الادنى، الان. بل ان العراقيين في يعيشون حالة من البؤس والشقاء والمعاناة والعذاب منذ ١٠٠ سنة على الاقل حتى الان، هذا اذا لم اقل منذ عام ١٢٥٨ وحتى الان. ولم يستطع العراقيون التخلص من هذه الحالة لانه لم يتم التمكن من معالجة اسبابها بصورة جذرية حتى الان، رغم المحاولات الكثيرة التي جرت دون ثمرة حقيقية.

وغني عن الذكر ان العراقيين كانوا يأملون ان يتم وضع حد للشقاء بعد سقوط نظام صدام، لكن هذا لم يتحقق بسبب عيوب التأسيس والممارسة الكثيرة مثل الفساد والمحاصصة وغير ذلك.

للمرة الخامسة يتوجه الناخبون الى صناديق الاقتراع، ويراود بعضهم الامل في ان تخفف الانتخابات هذه المرة قسما من معاناتهم. لكني اقول ان ذلك لن يتحقق دون ان تسفر الانتخابات عن تشكيل مجلس نواب فعال، بوجود نواب فعالين يضعون مصلحة الشعب قبل مصالحهم الشخصية والحزبية والفئوية، وان يتمكن مجلس النواب من تشكيل حكومة كفوءة قادرة على تنفيذ برامج طموحة وواقعية في نفس الوقت، تضع على رأس قائمة اهدافها تحسين حياة الناس.

ولا يتم تحسين حياة الناس دون اعادة بناء الدولة على اسس حضارية حديثة، لان هذا النوع من الدول هو وحده القادر على توفير حياة طيبة للناس. وبالتالي، فان تحقيق السعادة للعراقيين مشروط بوجود مجلس نواب ومجلس وزراء يؤمنان بضرورة اقامة الدولة الحضارية الحديثة في العراق. وبدون هذا، فان العراقيين سوف يستمرون بالدوران حول محور الفشل والفساد والمحاصصة.

هذا يعني ان على الحكومة الجديدة ان تعلن منذ البداية ان برنامجها يتمحور حول توفير مستلزمات اقامة الدولة الحضارية الحديثة. وهذا يعني ان على الحكومة الجديدة ان تتقدم ببرامج حضارية حديثة لمعالجة مشكلة البطالة، الفعلية والمقنعة، ومشكلات الادارة الحكومية، والاقتصاد، والتربية والتعليم في كل مراحله، والعلاقات الخارجية، وغير ذلك.

وبرهنت التجارب السابقة ان ذلك مما لا يمكن تحقيقه اذا تم تشكيل الحكومة بمشاركة الكل على اساس المحاصصة، لان هذا يعني حكومة مشلولة عاجزة عن الاداء والعمل. وهنا بالذات تأتي فكرة حكومة الاغلبية السياسية التي تقابلها المعارضة البرلمانية الفعالة. هذا من علامات الحياة السياسية السليمة، وبخلافه فان ذلك يعني ان الامراض القاتلة والظواهر السلبية مازالت هي المتحكمة بالمشهد السياسي.

يتطلب تحقيق كل ذلك وعيا سياسيا عميقا قبل الانتخابات وبعدها. قبل الانتخابات من اجل اعطاء الصوت لمن يستحقه. وهذا يتطلب تحرير ارادة المواطن من المؤثرات غير الحضارية وغير الحديثة. وبعد الانتخابات يتطلب حضورا شعبيا رقابيا مكثفا على اداء البرلمان واداء الحكومة، لمحاسبتها او اسقاطها شعبيا وبرلمانيا ان تتطلب الامر ذلك.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق