مع اقتراب موعد انتخابات تشرين، المقرر اجراؤها في العاشر من الشهر الجاري، تتصاعد حدة التكهنات بشأن مسار العملية الانتخابية ونتاجاتها او مخرجاتها السياسية ومدى انعكاسها على مسار أو مستقبل الإسلام السياسي في العراق بشكل عام والإسلام السياسي الشيعي بشكل خاص، ولاسيما في ظل تصاعد حدة الصراع بينها وبين التيارات المدنية، بعد استشعار التيارات السياسية الدينية خطر المنافسة ما بعد انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) 2019 وما خلفته من نقمة على النظام السياسي الذي تسيطر عليه بشكل عام أحزاب وقوى إسلامية منذ عام 2003. فيكف يمكننا أن نستقرأ مستقبل أو مسار الإسلام السياسي الشيعي في الانتخابات المقبلة.

يعتقد بعض المتخصصين أن العراق بعد انتفاضة تشرين، شهد أو يشهد عصر نهاية أحزاب الإسلام السياسي؛ نتيجة كل الأزمات التي خلفتها فترة حكمها طوال 18 سنة، إلا أن غياب البديل يمثل الإشكال الجوهري في صلب صراع العلمانية والدين السياسي في العراق، أو قصور تنظيم الجهات العلمانية "كما يسميها الدكتور اياد العنبر"، أضف إلى ذلك، ابتعاد وانعزال الطبقة المثقفة عن الصراع السياسي أو العمل السياسي، وانغماس بعضها بالعمل الحزبي مع الإسلام السياسي.

فضلاً عن ذلك، أن اغلب التيارات العلمانية والمدنية لم تصل بعد إلى التنظيم والثقافة السياسية التي من الممكن أن تؤهلها إلى منافسة قوى الإسلام السياسي التي تمتلك ثلاثية (المال والسلطة والسلاح)؛ لذلك فان استقراء مسار او مستقبل الإسلام السياسي الشيعي، لا يمكن ان يعتمد على مخرجات او نتائج الانتخابات المقبلة، بقدر ما يعتمد على تكييف وضعه (السياسي والأمني والاقتصادي) المحلي، فضلاً عن وضعه (الإقليمي والدولي) وفقاً للمعادلة السياسية المعتمدة في العملية السياسية في العراق بعد عام 2003.

فاذا ما عدنا إلى انتخابات عام 2018 سنجد بأن وضع الإسلام السياسي الشيعي لا يختلف كثيراً عن الانتخابات الحالية، فعلى الرغم من العوامل السياسية التي استثمرتها قوى الإسلام السياسي في تلك الانتخابات كالانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" أو رفع مشروع الإصلاح السياسي أو غيرها من الظروف التي استثمرت أنذلك، سنجد بأن حجم التذمر الشعبي بلغ ذروته بشكل غير مسبوق في تلك الانتخابات، الأمر الذي انعكست نتائجه على نسب المشاركة السياسية، إذ لم تتجاوز نسبة المشاركة السياسية في انتخابات 12 ايار 2018 الـ 20% بشكل عام، وربما هذه النسبة مبالغ بها، ان لم تكن اقل من ذلك بكثير، ومع ذلك بقيت قوى الإسلام السياسي الشيعي محتفظة بقواعد اللعبة السياسية في العراق، ولم يؤثر ذلك على نفوذها السياسي في السلطتين (التشريعية والتنفيذية)، وهذا ربما يعود لسببين:

الأول: عزوف المواطن العراقي عن المشاركة السياسية بشكل كبير ومقاطعته للانتخابات العراقية المتعاقبة واهماله لدوره في عملية التغيير، والاحباط السياسي نتيجة القوانين الانتخابية السابقة التي شرَّعتها المجالس النيابية السابقة كقانون "سانت ليغو" بصيغَّه المعدلة. فضلاً عن الانسحابات المتكررة للقوى السياسية المدنية من الانتخابات، كما حصل في هذه الانتخابات مع التيارات المنبثقة من حراك تشرين أو مع الحزب الشيوعي أو التيار المدني. وهذا ما يصب في صالح قوى الإسلام السياسي الشيعي أو القوى السياسية التقليدية المتحكمة في قواعد اللعبة السياسية في العراق.

ثانياً: إن قوى الإسلام السياسي الشيعي استطاعت أن تؤسس جذور لها في الدولة العراقية لا يمكن إزاحتها من خلال الانتخابات فقط، وستعتمد إستراتيجيات عديدة بغرض الاستمرار في المشهد السياسي. وهذا يحتاج إلى وقت وعمل كبير؛ لذلك كثير ما يُتهم الكثير من المستقلين في هذه الانتخابات بأنهم مدعومين من التيارات الإسلامية، أو تتهم بانها تقوم بإنشاء "أحزاب ظل مدنية" في محاولة لاستقطاب ناخبي التيارات المدنية، واستثمار غياب تنظيم القوى المدنية لتجاوز محنة عدم تقبل طيف واسع من العراقيين لفكرة استمرار سيطرة التيارات الإسلامية على المشهد السياسي في البلاد.

بالمجمل، يمكننا القول، بأن مسار او مستقبل الإسلام السياسي الشيعي لا يعتمد على نتائج الانتخابات بشكل اساسي بقدر ما يعتمد على مستوى ونسبة المشاركة السياسية والوعي السياسي والانتخابي للمواطن العراقي بعيداً عن خيار المقاطعة والعزوف الانتخابي؛ لأن المشاركة السياسية قد تكون الخيار الوحيد في تغير المعادلة السياسية اذا ما تم تغيير المعادلة التشريعية في مجلس النواب، التي تخضع بشكل كبير لرغبة رؤساء وزعماء الكتل السياسية في الرقابة والتشريع وربما حتى التنفيذ في الوزارة أو السلطة التنفيذية التي تعد في العرف السياسي العراقي امتداد للسلطة التشريعية.

لكن بموازاة ذلك، لا يبدو الإسلام السياسي الشيعي في أحسن حالاته، فهناك انقسامات داخلية عميقه بين قواه السياسية، وهناك خلافات حادة جراء تناقض مصالح قياداته وتفرق أهوائهم. فالخلافات لم تعد تلك الخلافات السياسية التي تدور حول رئاسة الوزراء كخلافات حزب الدعوة والتيار الصدري أو الخلاف على بعض الحقائب الوزارية، التي نراها مع بداية التشكيلة الحكومية او الوزارية، بل امتدت إلى المؤسسات الأمنية، كالخلافات التي ظهرت مؤخراً بين فصائل الحشد الشعبي أو بين الحشد الشعبي وحشد العتبات "الفصائل التي تتبع مرجعية السيد السيستاني". وهو خلاف خطير جداً، يؤسس لشرخ خطير في مستقبل الإسلام السياسي الشيعي على الصعيدين (السياسي والمذهبي). وربما يقسمه إلى معسكرين أو أكثر، قد تكون قوى منقسمة سياسياً وفقهياً، على الرغم من ان هذه الانقسام، هو انقسام واقعي موجود فعلاً، لكنه لم يظهر إلى العلن بهذا الشكل كما ظهر مؤخراً.

فكيف ستتعامل القوى السياسية الشيعية مع هذه التحديات والاستحقاقات الانتخابية في ظل هذا الانقسام السياسي الواضح، الذي من المرجح أن يتعمق أكثر بعد الانتخابات القادمة...؟

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق