جاءت البعثة النبوية محملة بكل المعاني السامية والخصال الحميدة التي بدورها ان تنهض بالأمم وتعلي شأنها، فقد اهتمت بكل ما يمس حياة الافراد ويسير بهم نحو الخير والصلاح، الصلاح الذي قصدته الرسالة المحمدية هو النابع من التفاهم والتشاور فيما بينهم لتحقيق تلك الغاية النبيلة.

لقد حث القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بمواطن كثيرة على أهمية المشاورة في إدارة شؤون البلد والرعية، وهو ما عمل على تطبيقه النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، عندما بعث للامة رسولا واُمر بتفعيل منهجه في إدارة أمور دولته المترامية، فأخذ يشاور اتباعه وثقاته بجميع الأمور في محاولة منه لتعزيز هذا المبدأ.

وتعني الشورى أخذ آراء الآخرين حول مسألة معينة للوصول إلى الرأي الصائب أو الأقرب من الصواب وتحقيق رضا المعظم، ويتصف أهل الشورى بعدة صفات تؤهلهم للمشاورة مثل أن يكونوا أصحاب خبرة وفطنة، وعدل ورجاحة عقل بعيدين عن الاتصاف بالتحيز والتمييز، كما يجب أن يكونوا ممن يقبلون الرأي الآخر ويُقبلون عليه.

ونظرا لذلك فقد كان نبي الامة عليه وآهل بيته الصلاة والسلام، كثيرا ما يحرص على اتباع منهج الشورى في الحكم بالعديد من القضايا التي تهم الامة وتدعم موقفها بين الأمم، فلا قوة في القرار من دون اكساءه بحُلية الشورى التي تزينه وتجعله أكثر نفعا وأثرا في معالجة مشكلة او امرا من الأمور.

ويعد الدين الاسلامي هو المنظومة السباقة في تطبيق الشورى بين العامة، اذ يقول الله تعالى في سورة آل عمران ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ))، وفي سورة الشورى قال تعالى (والذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومّما رزقناهم ينفقون)، وهذا التأكيد يشير الى ضرورة اتباع هذا المنهج في الدولة التي تريد ان تنجح وتتقدم على باقي الأمم.

فالإسلام وضع لنا هذه الركيزة من بين الركائز الأساسية التي شدد عليها وضمّنها بقوانينه المسيرة للامة، ولولا هذا المنهج السليم لما استطاعت الحركة الإسلامية من النهوض بالأمة وتمكينها من قيادتها لقرون من الزمن، اذ وضعت الخارطة الصحيحة وفق المنطق وما تمتلكه الامة من مصادر قوة لإدارتها.

قديما وعلى الرغم من ان طاعة الرسول والحكام من بعده من الواجبات، الا انهم يرجعون لهذا المبدأ الذي يعتبر من الدعامات الأساسية لقيام الدولة القوية، اذ يوفر اللجوء اليه بيئة سياسية آمنة يمكن من خلالها بناء كيان قوي قادر على مواجهة التحديات التي تعصف بالأمة.

ودليل ذلك ما تعرضت له الدعوة الإسلامية من محاولات شتى لطمس معالمها وتغييب أهدافها، لكنها ومع كل ذلك تعاود التألق والتجدد امام كل الصعوبات والمعرقلات، اذ يعطي ذلك ان الأساس القائمة عليه يتمتع بقاعدة صلبة لا يمكن اختراقها او زعزعتها وهو ما جعلها صادمة لغاية الآن.

اما الدول الديموقراطية الآن فقد تكون بأمس الحاجة الى تفعيل هذا المبدأ من اجل السيطرة على مجريات الأمور، وجعلها في موضعها الصحيح، لكن الذي يحصل في البلدان ذات الصبغة الإسلامية، مناف وبشكل قطعي لمفاهيم الدين الإسلامي، فقد تم تسليم السلطة بيد الملك او الحاكم، واكتفى الأخير بإصدار الاحكام والتفرد بالقرارات دون الرجوع الى المقربين او الأشخاص المختصين.

والنتيجة هي تخبط وتدهور دائم، والوصول الى دول ضعيفة هزيلة غير قادرة على مواجهة التدخلات الخارجية، ناهيك عن التلاعب بمصيرها من قبل غير ابناءها ولا يريدون مصلحتها، كما هو الحال في البلدان العربية التي تعيش حالة من الانقسام والفوضى قد تكون هي الأولى من نوعها، والسبب يعود لعدم اتباعهم مبدأ الشورى الذي اتبعه الرسول الأعظم ابان حكم امته.

التشاور والتحاور بين الحاكم والمشتركين معه في إدارة الدولة من الاساسات التي تعطي القوة الكبيرة للدولة وان وجد من الرؤساء من يسعى لجعل دولته قوية وآمنة امام جملة التقلبات الجارية على المستويات المختلفة، عليه ان يركن لمبدأ الشورى، فهو الوحيد الذي ينقذ البلد من الضياع ويشعر الرعية بالراحة والأمان، بأن هنالك من يعمل لمصلحتهم ويحاول تحقيق سعادتهم عبر اخذ النصيحة بما يتعلق في شؤونهم المتعددة، وخلاف ذلك تبقى الحال كما هي، ولا يمكن ان تتقدم امة من الأمم او دولة من الدول.

أيا كان نوع نظام الحكم، فالمشورة تعني تجنب الأخطاء وعدم الاقتراب منها، فالرسول الأعظم وضع هذا المنهج لضمان قيام دول متماسكة متراصة، متمكنة من إدارة نفسها بنفسها، وهذا ينسحب على بقية الأنظمة الأخرى، اذ نجدها وضعت لجان ومسميات تعمل بنظام الحكم الإسلامي في زاوية ما، فلا تكاد دولة تخلو من وجود جهة تقدم المشورة والنصح لتقويم العوج وتحقيق المصلحة العامة للبلد.

اضف تعليق