توجد في العراق أفضل القوانين وأكثرها صياغة وضبطاً، إلا أنها تتعرض لإعاقة تمنعها من الحركة عند الحديث عن التطبيقات على أرض الواقع، قوانينا في عالم، والتطبيقات في عالم آخر.

من منا ينكر هذه الحقيقة؟ يكفي أن العديد من برامج القوائم الانتخابية الحالية تضع فقرات تؤكد تطبيق القوانين، في اعتراف واضح منها بأن القوانين معطلة وغير مطبقة.

على سبيل الذكر فان حملة رفع التجاوزات التي أعلنها رئيس الوزراء بعد استشهاد مدير بلدية كربلاء عبير سليم لم تستطع رفع تجاوزات بعض الجهات على أملاك مهمة للدولة، مثل المقرات الحزبية وغيرها التي تتخذ من أملاك الدولة مكاناً لها.

قوانين أقوى من القرارات والمراسيم التنفيذية لم يكتب لها النجاح، والدستور بحد ذاته مخترق ولا تحترمه المنظومة السياسية، القوانين والقرارات هنا وجدت مثل لباس أنيق نرتديه فقط، لنبين للعالم إننا دولة حديثة تشبه الدول الاوروبية، والواقع أن الأعراف والتقاليد والسلوكيات الراسخة هي من تتحكم في فعلنا اليومي.

طرحت سؤالي على الفيلسوف الفرنسي غوستاف لو بون، وقلت له: لماذا لا نلتزم بالقانون؟

قال أنه لا يستطيع الإجابة عما يحدث في العراق تحديداً، لكنه سيعطيني قاعدة عامة استطيع من خلالها تفكيك الحالة العراقية وتفسيرها، وفي معرض إجابته أعادني لو بون إلى مصدر القوانين والأوهام التشريعية.

في البدء لا يعول لو بون على قدرة القوانين في إصلاح المجتمع، ويرى بأن القول بقوتها الإصلاحية من أشد الأغلاط التي سجلها التاريخ.

فالمشرع يعتقد بقدرة القوانين الخارقة، فتراه يشرع لمعالجة ما خفيت عليه علله من الأمراض الاجتماعية، هو يشرع ويسرف في التشريع كلما رأى القوانين التي وضعها غير شافية أو أتت بنتائج مخالفة للمقصود، ثم يشرع فيشتد هيجانه فيستوضح الوزراء، ويعين لجاناً لتراقب تطبيق المراسيم، ويتدخل في أدق أمور الإدارة بلا ملل.

والقول مستمر للفيلسوف الفرنسي، فإن الحكومة نفسها تَعْدلُ عن قوانين يتعذر تطبيقها لخرق الناس حرمتها، لأن الجرم إذا عم ينقلب إلى حق.

ويضع لو بون شرطاً واحداً لكل القوانين التي تشرعها المجالس النيابية، وهو أن تكون قد صدرت عن ضرورة مهيمنة مستقلة.

ويقصد بالضرورة المهيمنة أن القانون هو عادة اجتماعية متأصلة ويأتي المشرع ليصبها في قالب المواد، أي أن القوانين يجب أن تظهر ظهوراً غريزياً في المجتمع، وعلى المشرع ًن لا يحاول فرض القوانين لأنها سوف تفشل إذا خالفت المزاج النفسي للمجتمع.

وبالنسبة للشأن العراقي، فإنني أضع مجموعة من موانع تطبيق القوانين، وتحويلها إلى ممارسات اجتماعية مستنداً إلى رؤية لو بون فضلاً عن ملاحظاتي وقراءاتي:

السبب الأول: المشرع نفسه، بسبب عدم جديته، وعدم متابعته للقوانين التي تقرها السلطات التشريعية، واتباعها أسلوب حل المشكلات التي تواجه مؤسسات الدولة عبر الترضية والعلاقات الحزبية والشخصية.

السبب الثاني: عدم وجود بنية تحتية صالحة لتطبيق القانون، خذ على سبيل المثال مسألة القوانين التي تمنع دروس التقوية خارج المدرسة، هذه من شبه المستحيل القضاء عليها، لأن المدارس الحكومية نفسها تخرق القانون عبر اكتضاض الطلاب في الصف الواحد، فالمدارس النموذجية لا يزيد عدد طلاب الصف الواحد ٢٥ طالباً حسب القانون، بينما مدارسنا فيها أكثر ٥٠ طالباً بدوام ثنائي وثلاثي.

فكيف يمكن إجبار المدرس على الالتزام بقانون بينما البنية التحتية لتطبيق هذا القانون غير موجودة، في نظام المرور الأمر أسوأ بكثير، فالمشرع العراقي فرض غرامات على بعض الخروقات بينما لا توجد أي بيئة لمعرفة أن الشخص ارتكب المخالفة أم لا؟ يفرض على المواطنين العبور من المناطق المخصصة للعبور في الشوارع بينما لا يوجد تخطيط رسمي لهذه المناطق، وتفرض غرامة على من يسير بالاتجاه المعاكس بينما بعض الشوارع مغلقة ويجبر السائق على مخالفة القانون.

السبب الثالث: المحسوبيات والنظام العشائري، بعض الجرائم الكبيرة لا يمكن للقضاء التدخل فيها، وتلقى القوانين تحت رحمة شيخ العشيرة الذي يقرر ما يجب فعله تجاه الشخص مرتكب الجريمة، فقد يتم تشديد الحكم أو تخفيفه حسب الشخص وموقعه الاجتماعي وانتمائه العشائري، أما القانون فيبقى على الرف.

السبب الرابع: عدم تطبيق السلطة التنفيذية للقانون، وعدم قدرة الدولة على تطبيق القانون على الشخص المتنفذ في الدولة، فعلى سبيل المثال: هل يستطيع رجل المرور تغريم سيارة للدولة لا تحمل لوحات تسجيل؟ رغم أن القانون يفرض تغريمها، هل يستطيع رجل المرور فرض غرامة على سيارة حكومية فيها ستائر أو زجاج مظلل؟ رغم منع القانون لذلك.

وبالعودة ألى رؤية الفرنسي غوستاف لو بون، فإن القوانين بحد ذاتها لا تصلح المجتمع، لأن التقاليد والسلوك الاجتماعي أقوى من القانون، وما القوانين إلا القوالب التي تصهر فيها العادات، ولا يمكن صهرها اجبارياً إنما تظهر ظهوراً غريزياً.

اضف تعليق