ينجح الخطاب الشعبوي في العراق بشكل عميق، للفوز بنتائج انتخابات تصب في صالح مرشحين يعتمدون التعبئة الشعبيَّة عبر شعارات "عمومية"، تزدان بالصور الشخصية والألقاب الفخمة، وتغيب عنها البرامج الانتخابية.

وأغلب الجهات السياسية، باتت مقتنعة بان خطابها النخبوي، بأسلوبه المترفع عن لغة الشارع، ومعالجاته التنظيرية، لن يضمن لها "الشعبية" بين الجمهور.

لأجل ذلك، تكون الشعبوية العراقية، حالة خاصة، ومؤثرة بسبب تعدد مراكز القوى في البلاد، التي تسعى إلى "الرواج" لكنها لا تمتلك أدوات مناسبة تقنع المواطن، فضلا عن ذلك فان كل الأحزاب السياسية في العراق لا تمتلك مختبرات سياسية تفحص الأحداث وترسم المواقف، وان قراراتها ارتجالية، عاطفية برسم الشخصية النافذة فيها.

إنّ من مفارقات الحقبة العراقية بعد 2003، أنَّ السلوك النخبوي المصقول بإتكيت الخطاب، ومفردات قواميسه، لم يعد يدهش الناس او يبهرهم، ليصبح طرح الرأي بالخطاب الشعبوي، هو السبيل للجذب والكسب، وهو النافذة المعبرة عن القلق الاجتماعي والسياسي.

لنلاحظ ذلك في خطاب النخب السياسية، وفي مفردات الخطاب النيابي، فكلما استثمر النائب في الكلام "العاميّ" المصطلح، والنبرة التي تشابه تلك الأصوات التي نسمعها في المحافل الشعبية، والأسواق، ازداد تعلّق الناس به، ونجح في إيصال أفكاره، وفي إعادة انتاج ملفات تشغل المواطن، والاستثمار في حاجة الناس إلى الخدمات والبنى التحتية، وحتى الاستثمار في المشاعر القومية والطائفية.

خلاصة الشعبوية العراقية انها تحاول الاستثمار في هضم مطالب الطبقات المسحوقة والغاضبة والوقوف معها ضد النخب المتهمة بالتقصير والفساد، لكنها فشلت، وتحولت بمرور الوقت إلى حالة نمطية تشابه في سلوكها، تصرفات النخب التي تنتقدها.

ما يساعد الشعبوية العراقية على البروز، هو غياب الطبقة الوسطى، الامر الذي يزيد من الهوة، بين النخب والطبقات الشعبية، وقد تجسد ذلك في الدورات الانتخابية السابقة، حيث نجحت الزعامات الكاريزمية التي تخاطب الشعب بمفرداته "اليومية" من دون حتى تزويق في اللغة، وأسلوب الخطاب، بينما سقط أولئك الذين عرفوا بقدراتهم الخطابية "الراقية" لغةً، وموضوعاً.

الحالة العراقية لا تستوجب اعتماد توصيف اليسار او اليمين، بل ستكون بين ما هو شعبوي، شعبي، وبين ما هو نخبوي، وتحت هذين المفهومين، تسير الامة العراقية إلى مدة لن تكون قصيرة، حتى ندخل في عصر آخر له أساليبه في التعبئة الفكرية والسلوكية.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق