سافر رئيس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي، الى العاصمة الايرانية طهران، والرواية الرسمية تقول انه يبحث الملفات ذات الاهتمام المشترك.

وحسب المعلن من هذه الملفات فجميعها تصب في صالح إيران، وهو ما يجعلنا نتقبل ولو افتراضيا الاحاديث المتداولة بان الكاظمي ذهب الى طهران للتفاوض بشأن تجديد الولاية الثانية.

الملفات المعلنة كانت انجازات بالنسبة للحكومة الايرانية بينما هي تنازلات من قبل الجانب العراقي وكما يأتي:

١. الغاء تأشيرات الدخول، هذا الملف يهم طهران أكثر من بغداد، لأنه يعد احد ابرز الملفات الضاغطة على الحكومة هناك، ويسجل انجازا حكوميا اذ اعلنه ابراهيم رئيسي خلال المؤتمر الصحفي المشترك، بينما لم نشهد في العراق ذلك النقاش والمطالبات الشعبية بإلغاء تأشيرات الدخول الى ايران.

٢. ملف الطاقة، ومن خلال الاعلان الرسمي بين الطرفين، نلاحظ فتور الحديث في مجال الطاقة، فلم يذكره السيد الكاظمي رغم اهميته القصوى للعراق، ومعاناة الحكومة بسبب قطع ايران لإمدادات الغاز في الظروف العصيبة ما يشكل ضغطا شعبيا على الحكومة في بغداد.

وبدلا من ذلك اكد الكاظمي على ان "العراق ساعٍ لاتخاذ خطوات مهمة فيما يتعلق بالالتزامات المالية تجاه ايران" ويقصد بها الديون المترتبة على شراء الغاز الايراني والتي تصل الى حوالي خمسة مليار دولار.

٣. ملف التبادل التجاري، يقول الكاظمي ان هناك رغبة في توسعة التبادل التجاري والاقتصادي ومجمل نواحي الشراكة.

من المستفيد الاكبر في توسيع التبادل التجاري بين العراق وإيران؟ من يصدر اكثر سيستفيد، والميزان التجاري في صالح طهران بفارق كبير لا يحتاج الى ارقام، نحن هنا لا نصدر شيئا تقريبا بينما تصدر ايران كل شيء.

وفي بعض السلع تكون تجارتها مع العراق فقط دون غيره من الدولة لأنها سلع ردية لا يستوردها احد كما هو الحال مع السيارات الايرانية.

٤. ملف الجماعات المعادية لإيران، والتي تتخذ من اقليم كردستان مقرا لها، اذ طالب امين المجلس الاعلى للامن القومي الايراني علي شمخاني بضرورة قيام الحكومة العراقية بنزع سلاح هذه الجماعات التي تعتبرها طهران ارهابية.

ما هو أفضل وصف لهذه الزيارة؟

"التطمينات" هذا التوصيف جامع لكل ملفات زيارة السيد الكاظمي الى إيران، فقد ازعج الكاظمي الايرانيين وحلفائهم في العراق بعد اتخاذه خطوات مستفزة في العلاقات الخارجية، وبعد ختام كل تلك الجولات الخارجية يحتاج الى فتح السجل امام الايرانيين وتأكيده على عدم نسيانهم ويتضمن السجل ما يأتي.

١. الكاظمي زار اميركا وعقد معها الحوار الاستراتيجي، الذي وان اقر انهاء العمليات العسكرية، وتقليل اعداد الاميركيين في العراق، لكن الايرانيين يرون ذلك مجرد التفاف على مطالب حلفائهم بخروج اخر جندي من العراق على الطريق الافغانية وتسليم العراق الى الفصائل المسلحة الموالية لطهران.

يقول الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي ان تنفيذ القانون (القرار) الذي صادق عليه مجلس النواب العراقي بشأن خروج القوات الاميركية من العراق من شأنه ان يكون مؤثرا.

السبيل الصحيح بالنسبة لإيران هو خروج جميع الجنود الاميركيين، لذلك فهي ترى ان الحوار الاستراتيجي الذي عقده الكاظمي في واشنطن يعطي شرعية رسمية للوجود الاميركي وان اختلف توصيفه.

٢. تبني الكاظمي لمشروع الشام الجديد القائم على التحالف الاقتصادي والسياسي بين العراق والاردن ومصر.

وقد عقدت لقاءات مهمة في القاهرة عمان وبغداد اكدت رسوخ الفكرة وقطعها خطوات كبيرة بشأن تعزيز هذا التحالف.

مشكلة ايران في هذا التحالف هي تأكيده على الابتعاد عن سياسة المحاور، ما يعني رفضه الضمني لمحاولات ايران وضع العراق ضمن "محور المقاومة" كما يكرر المسؤولون الايرانيون في تصريحاتهم بشأن امتداد محور المقاومة من بيروت الى دمشق ثم بغداد وطهران وصنعاء.

صحيح ان إيران سكتت، ولم تدلي بدلوها، لكنها تراقب بحذر وتعرف ان اي مشروع جديد للعراق لا تشارك هي بصياغته سيكون تهديدا لها مهما كان مسالما.

٣. مؤتمر بغداد للحوار، فمن الصعب ان ترى الحكومة الايرانية اجتماع اعدائها في عاصمة مجاورة لها، بينما هي تشاهد الاستعراض السياسي.

المؤتمر جمع السعودية والامارات وتركيا وهؤلاء وان لم يكونوا اعداء لإيران فانهم منافسون لها، ولا تريدهم ايران ان يتصدروا المشهد في العراق، وهذا ما اتضح من تغيير موقع وقوف وزير الخارجية الايراني حسين امير عبداللهيان.

فالحركة وان كانت بسيطة لكنها اعطت دلالات واضحة بشأن رؤية طهران للوضع العراقي، يقول عبداللهيان نحن الاول ولا احد يسبقنا في التحكم والسيطرة.

من المثير ان تكون الزيارة الخارجية الاولى للكاظمي الى طهران، وربما ستكون هذه الزيارة الخارجية الاخيرة لطهران ايضا.

فمن طهران يبدأ جولاته الخارجية ومنها يختم، بل من قد يكون طامعا بالتجديد لولاية ثانية، عبر اعطاء تطمينات والتزامات سينفذها في حال تبني طهران لإعادة ترشيحه لولاية ثانية.

لماذا نقول هذا الكلام؟

لأن التيار الصدري يريد رئاسة الوزراء في الدورة الانتخابية المقبلة، وما يزال الكاظمي صاحب الحظ الاوفر بالترشيح من قبل السيد الصدر، وهو الخيار الافضل لحد هذه اللحظة، ومهارة الكاظمي في اعطاء الضمانات للاعبين الدوليين قد ترجح كفته في الصراع على رئاسة الوزراء المقبلة.

اضف تعليق