في بلد مثل العراق من الكارثة ان يموت القطاع الخاص ويجري الاعتماد على القطاع العام الذي يعاني من قلة التخصيصات الحكومية والإهمال الواضح ما أدى الى تعطله جزئيا، او قريب من الكلي وهنا يجب التطرق الى اهم الأسباب التي أدت الى تراجع او اندثار القطاع الخاص، واستمراره في السير أعرجا.

على غير العادة فان القطاع الخاص العراقي عانى الكثير من الإهمال الحكومي، بينما يفترض عليها الاهتمام فيه مثلما تعمل بقية الحكومات التي جعلت منه قطاعا رديفا للقطاع العام، يعتمد عليه الاقتصاد الوطني في تشغيل الايدي العاملة، وتنشيط الحركة الاقتصادية وانهاء كسادها.

بعد العام 2003 افل نجم القطاع الحكومي، فالحرب عطلت المنشآت الخدمية والإنتاجية، وأصبح موظفيه يتقاضون مرتبات شهرية دون انتاج أي سلعة، كما حصل بمعامل انتاج الادوية، وصناعة النسيج وكذلك الصناعات الكيمياوية، مما أدى الى الضغط على القطاع الخاص الذي يقف على رجل واحدة في الأساس.

ومن مخرجات الوضع الجديد ازدياد الاعتماد على الاستيراد الخارجي، وتبطئ الاستثمار الداخلي وتوقفه تدريجيا، فقد ادى هذا التوقف الى هجرة تجاه الوظيفة الحكومية والتمسك بها على الرغم من مردودها المالي البسيط مقارنة بمدخلات القطاع الخاص الذي يتميز بعدم المحدودية في التعاملات الاقتصادية، وللفرد القدرة على النمو والتطور في الجوانب المالية ومضاعفة موارده.

وبعد تخمة القطاع العام بالعدد المخيف من الموظفين، حتى وصلت اعداد العاملين في مؤسسات الدولة اضعاف مضاعفة مقارنة بعددهم قبل تغيير النظام، وهذه الزيادة في الاعداد ضغطت على الموازنة العامة، وجعلتها تأن بحملها، ولم تفكر الجهات المعنية بحلول منطقية لمسألة التعيين العشوائي غير المدروس، فكل من أكمل الدراسة الجامعية اختار النزول للشارع لأخذ حقه، وبهذه الطريقة لا تبنى دولة المؤسسات التي يتكلمون عنها.

دولة المؤسسات تقوم اعمدتها وتبنى على التخطيط السليم ودراسة الاحتياج الحقيقي والفعلي من الموظفين من ذوي الاختصاص، واستيعاب الاعداد المتبقية في القطاع الخاص الذي يحتاج الى اشعار العاملين فيه بالأمان، بأن لهم ذات الحقوق التي يتمتع فيها موظف القطاع الحكومي، فبدون هذه الامتيازات يبقى هذا القطاع يراوح في مكانه ولا يستطيع النهوض.

معرقلات النهوض:

من المشكلات والمعرقلات الرئيسة التي يعاني منها القطاع الخاص في العراق هو الوعود الكاذبة وعدم الالتزام الحكومي بالقرارات والإجراءات التي تسهل عملية الاستثمار، فمن يريد ان يفتتح مشروعا ما، لن يتمكن من اجتياز جدار البيروقراطية والروتين الحكومي، مما يضطره الغاء الفكرة من أساسها وتفضيله اخراج أمواله الى بيئة أكثر امانا وقدرة على النمو والازدهار.

ومن المعرقلات أيضا هو التدخل الحكومي وفرض الجهات ذات العلاقة قدرا كبيرا من الأموال مقابل تسهيل الإجراءات المتعلقة بحصول الموافقات وانهاء الارتباطات مع الدوائر الأخرى، وهذه العملية بحد ذاتها تبدو وكأنها رحلة شاقة تواجه كل مستثمر يحاول الدخول الى الأرض الاستثمارية العراقية.

فكيف لاقتصاد او قطاع خاص ان ينهض وهو يعاني من هذه المشاكل؟، وهي غياب السياسات التي تتجانس مع الأوضاع القائمة في البلاد، وتأخذ بيد الاقتصاد العراقي نحو النهوض وتنشيط السوق المحلية وفق هياكل وتنظيمات مؤسسية تحرك العجلة المتوقفة وترمم البنى التحتية التجارية لتكون عنصرا مساندا للقطاع الحكومي الذي دخل في غيبوبة وانهيار كبيرين.

ما هو الحل؟

الحل الذي يحتاجه القطاع الخاص في العراق يرتكز على بعض الأسس، أهمها هو تفعيل القوانين والتشريعات التي تضمن حقوق العاملين في هذا القطاع الذي يضم أكثر من 50 ألف وحدة مصنعية وفي صفوفه قرابة 750 ألف عامل بمجالات شتى، لكنه بقي معطلا ويعمل بنسبة لا تساوي القدر الكبير من العاطلين عن العمل، يقابل ذلك قطاع عام عاجز عن استيعاب الكم الهائل من الطاقات البشرية.

سوق العمل في العراق تحتاج الى تنظيم أكثر، فهي لا تزال تفتقر الى نوع من التنظيم والحماية للمستثمر سواء المحلي او الأجنبي، لا سيما وان العراق يعتبر من الارضيات الخصبة لمثل هذه الاستثمارات، اذ لا يزال من البلدان الجاذبة لرأس المال، ويحتاج الى فترات كثيرة واستثمارات كبيرة للنهوض بواقعه المتراجع.

والقطاع الخاص في الوقت الحالي قد يكون بأمس الحاجة الى الوقفة الحكومية الجادة، فالعاملون فيه يحتاجون الى حماية من المنافس الأجنبي، الذي شغل مواقعهم بأجور زهيدة للغاية، مما زاح الأشخاص الذين يبحثون فرصة عمل تعيشهم بكرامة، ويشعرون بالأمن الاجتماعي عبر تطبيق القانون الخاص بهم.

في كل الدول تكون الأفضلية لابن البلد، فهو الاحق بفرصة العمل، وهو صاحب السبق في كل شيء، وهنا يتوجب على أصحاب الحل والعقد في المؤسسات الحكومية، وضع جميع التسهيلات لدخول المستثمرين، مع الاحتفاظ بحقوق العامل العراقي، عن طريق اجبار الشركات بنسبة معينة من عدد العاملين فيها.

واخير من عوامل نهوض القطاع الخاص هو توفير الاستقرار الأمني وحماية المستثمرين، وكما هو معروف ان رأس المال جبان، لا يجازف في الظروف المتقلبة والأوضاع المرتبكة، فالاستقرار الأمني مرتبط بدرجة كبيرة في الاستقرار السياسي الذي يولد مناخ عام حاضن للاستثمارات في جميع المجالات.

اضف تعليق