الزعامات الوطنيَّة التي تدوس بثقة على عقد الماضي، والمستلهمة للتاريخ، لا تجد الأسباب العظيمة التي توجب استمرار الخصام والافتراق. وفي العراق، حيث نجح رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، في جمع القوى السياسية على التوقيع على ورقة اصلاح، مهدت لعودة التيار الصدري للانتخابات، فانّ المؤمل أن تتعزز هذه الخطوة، بمشروع تتبناه الحكومة من اجل مصالحة وطنية بين الفرقاء التاريخيين بشكل خاص.

بل إنَّ حكومة الكاظمي التي سحبت الاضداد الإقليميين، إلى قمة دول الجوار، لقادرة على حسم مصالحات محلية بين أحزاب وكتل سياسية، لمصلحة العملية الديمقراطية التي تقوم في الأساس على مبدأ التنوع والاختلاف، لا الصراع الابدي العدمي.

يتوجب القول، إنَّ المصالحة المحلية، هي أكثر إلحاحا وأكثر ضرورة من اي مصالحة أخرى، لأنها ترمّم شرخا يرتكز على تعقيدات سياسية، كان لها زمنها وظروفها، لكنها لا تزال تؤثر في الحاضر. إنّ المستقبل هو الهدف، والتعلق بأستار خلافات الماضي التي اندرست مع الأيام والظروف الجديدة، لن يفيد في شيء.

الكاظمي الذي بذل الجهد في مصالحات بينية إقليمية، يُؤمل منه تحقيق الإنجاز العظيم، في مصالحة تاريخية وطنية، تتوحّد فيها كلمة الامة العراقية، وتوفّر عوامل الفلاح للنظام الديمقراطي الذي يعاني الارتباك.

ولا جدال في أنَّ العراق يجب أن يفكر في مستقبله أكثر من ماضيه، وهذا يوجب التواصل مع العقد الماضية والأحداث المنقضية على انها مرحلة لها ظروفها وتداعياتها التي يجب ألا تؤثر سلبيا في الحاضر.

يقول الكاتب الأميركي ويليام فولكنر: "الماضي الذي يعيش اليوم، ليس من الماضي"، بينما يقول مؤرخ أكسفورد الشهير نورمان ديفيز إنَّ التاريخ ضروري للتفكير في المستقبل، ولا يتعدى اكثر من كونه تذكيرا وليس أداة في بناء الحاضر، لانّ ذلك كمن يشيّد ناطحة سحاب، بأدوات القرون الوسطى.

المصالحات الوطنية لا يُراد منها تجاهل التاريخ، بل تهميش عقد الماضي، وعدم التأسيس على الكراهية والخلاف، لا سيما أنّ السياسة هي أم المتغيرات، وعقيمة الثوابت، ولأننا اخترنا ممارستها، فان الطريقة الوحيدة هي في الاستيعاب بدل القطيعة الأبدية.

لقد مرّ العراق بظروف الصراع الطائفي والحرب الأهلية، والإرهاب والعنف، وكان متوقعا أنَّ ذلك سوف يتجذر بين العراقيين، لمدة طويلة، لكنه ينزوي الآن على اتساعه وجبروته، بينما ظلت بعض الخلافات السياسية المستحكمة منذ مدة طويلة، وهو أمر يثير السؤال عن عدم القدرة على عدم تحقيق مصالحة سياسية.

إنّ الايمان بالمنافسة الديمقراطية، يوفّر صفقة عادلة للقوى السياسية عبر الانتخابات، لكن ذلك يتطلب قدرا كبيرا من المرونة في المواقف، والإخلاص للمعايير الأخلاقية في العمل السياسي لدفع عجلة المصالحة.

بكل وضوح، فانّ أي خصام مستحكم سوف يؤدي إلى العنف بالضرورة، وإذا لم تتصالح النخب، فإن استحضار كل الجيوش في العالم، لن يوفّر الأمن.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق