من الطبيعي القول: أن العالم العربي اليوم بكل دوله وشعوبه، يعيش تحديات عديدة ومتنوعة، ولا يمكن مواجهة هذه التحديات إلاّ بتطوير الثقافة السياسية العربية، وذلك حتى يتسنى للعرب دولاً وشعوباً من مجابهة التحديات والاستجابة لها على نحو حضاري.

والثقافة السياسية التي نتطلع أن تسود فضاءنا الوطني والقومي والإسلامي، لها أجندة وأولويات، تسعى إلى التركيز عليها وإعطائها الأولوية على مستوى المعرفة والموقف.

وهذه الأولويات هي التالي:

1- الحريات السياسية:

لقد أبانت تطورات المنطقة وتحولاتها المتلاحقة، أن الداء العضال الذي يعاني منه جسم الأمة، ويساهم في تدهور أوضاعها وانحطاط أحوالها. هو داء الاستبداد والاستفراد بالحكم والسلطة. إذ أن العديد من الإخفاقات والتوترات التي تعيشها المنطقة اليوم وفي مختلف المجالات، هي جراء سياسات وتأثيرات أنظمة شمولية - استبدادية، تمارس القهر والإقصاء تجاه شعبها، وتحول بكل الوسائل لمنعه من ممارسة حريته ونيل حقوقه.

إن هذه الأنظمة بسياساتها وخياراتها الداخلية والخارجية، هي المسئول الأول عن تردي أوضاعنا وتدهور أحوالنا في مختلف المجالات. وإن الخطوة الأولى في مشروع التحرر من هذه الظروف والأحوال السيئة. هو بناء ثقافة وواقع سياسي جديد، يعتبر الحريات السياسية للمواطنين بصرف النظر عن أصولهم القومية أو العرقية أو منابتهم الدينية والمذهبية من أوليات الأعمال التي ينبغي أن تتوجه جميع الجهود إلى بلورة الإطار النظري الذي يؤكد على هذه الحقيقة، ويعمل على إنضاج الشروط المجتمعية التي تدفع باتجاه تبني خيار الحريات السياسية أولاً ودائماً.

إن المجال العربي والإسلامي اليوم، بحاجة إلى ثقافة سياسية، تؤسس لقيم الحرية والشورى والديموقراطية، وتعطي الأولوية لبناء واقع اجتماعي وسياسي يقبل الالتزام بكل مقتضيات ومتطلبات الحريات السياسية في الواقع الاجتماعي.

فبمقدار ديمقراطية ثقافتنا السياسية وإصرارها على الحريات الأساسية للفرد والمجتمع، نتمكن من معالجة العديد من مآزق رهاننا وتوترات مجتمعنا. وذلك لأن هذا المضمون الديمقراطي لثقافتنا، سيمارس دوره في صناعة رؤية جديدة لمعالجة أزمات الواقع، وسيعيد تنظيم العلاقة بين مختلف القوى والتعبيرات على أسس العدل والإنصاف والمساواة. وذلك لأنه "تفرض ديمقراطية الثقافة السياسية تحقيق المساواة وإتاحة المشاركة في العملية السياسية أمام أفراد المجتمع بغض النظر عن الاختلافات العقائدية أو الدينية أو اللغوية أو السلالية بين هؤلاء الأفراد. والديمقراطية تفرض المساواة بحكم التعريف. وإسباغ الطابع الديمقراطي على الثقافة السياسية المحلية قد يتم في سياق ضغوط عملية التحديث، وما تفرضه من تأكيد لدور العقل والعمل الفعال للإنسان وكثيراً ما تثار التحفظات في هذا الشأن على أساس أن هذا قد يؤدي إلي النيل من القيم الروحية والتراث الثقافي للمجتمع النامي وان القيم الروحية لهذه المجتمعات يجب أن تكون هي المنطلق لتحقيق الديمقراطية".. فمن الأولويات القصوى التي ينبغي أن تتجه الثقافة السياسية إليها في مجالنا العربي والإسلامي، هي الحريات السياسية. وذلك من أجل أن تتشكل الإرادة المجتمعية المطالبة بها والمدافعة عن متطلباتها.

2- حقوق الإنسان:

حين التحليل العميق والتأمل المتواصل في أسباب الاستقرار السياسي وعوامل الانسجام الاجتماعي الذي لا يلغي الفعالية والدينامية. نكتشف أن توفر قيم حقوق الإنسان في الفضاء الاجتماعي من العوامل الرئيسية لعملية الاستقرار السياسي والانسجام الاجتماعي. حيث أن المجتمع الذي تتوفر فيه حقائق ومتطلبات حقوق الإنسان وتصان فيه كرامة الإنسان، هو المجتمع الذي يتمتع باستقرار متين وانسجام صلب. أما المجتمع الذي تهان فيه كرامة الإنسان، ويمارس النظام السياسي فيه كل ألوان وأشكال التجاوز لحقوق الإنسان، فإن هذا المجتمع يعيش الإضراب وتتوفر في فضائه كل عوامل وأسباب الفوضى على الصعد كافة. لذلك فإن من الطرق الأساسية لتعزيز خيار الاستقرار السياسي والاجتماعي في فضائنا الوطني والقومي، هو العمل على صيانة حقوق الإنسان بكل مستوياتها، وتوفير كل ما من شأنه احترام هذه الحقوق، التي هي بمثابة الضرورات في حياة الإنسان الفرد والمجتمع.

من هنا فإن الثقافة السياسية، من الأهمية، أن تتجه إلى الإعلاء من شأن هذه القيم-الحقوق، وتسعى نحو تربية أبناء المجتمع على مقتضياتها. فكلما تعزز هذا الواقع في فضائنا، توفرت عوامل الاستقرار وأسباب الانسجام. وهذا بطبيعة الحال، بحاجة إلى نبذ كل الموروث الثقافي والسياسي والاجتماعي المضاد والمناقض لحقوق الإنسان وقيمه الأساسية. فكل رؤية تستهين بحقوق الإنسان أو تسوغ امتهانها، هي رؤية تزيد من الإرباك السياسي، وتساهم بشكل أو بآخر في عملية الاختراق الأمني والوطني.

إنه آن الأوان بالنسبة لنا جميعاً ومن مختلف مواقعنا العمل على تعزيز قيم حقوق الإنسان في فضائنا السياسي والثقافي والاجتماعي، ومقاومة كل توجه أو إرادة تمتهن هذه الحقوق أو تستخف بمتطلباتها وشروطها. وإن استقرارنا السياسي وأمننا الاجتماعي والوطني اليوم، يتوقف إلى حد بعيد على قدرة الأنظمة السياسية في مجالنا العربي والإسلامي على اجتراح واقع سياسي جديد، يعلي من شأن حقوق الإنسان، ويتجاوز كل حقائق ومحاولات الامتهان الذي يتعرض لها الإنسان في ظل أنظمة شمولية - استبدادية ساهمت بسياساتها وخياراتها الداخلية في القضاء على الكثير من حقائق وقيم حقوق الإنسان. لذلك فإن من الأولويات الأساسية لثقافتنا السياسية المطلوبة، هي العمل على تعميق وإشاعة ثقافة حقوق الإنسان، ودفع قوى المجتمع وتعبيراته الحية إلى احترام وصيانة هذه الحقوق.

3- بناء القوة الحضارية:

ثمة حقيقة أساسية يكشفها المشهد السياسي المعاصر، وهي: أن الشعارات واليافطات الكبرى المجردة، لا تصنع واقعاً جديداً، ولا تغير واقعاً سيئاً. وإن استرسالنا في إطلاق الشعارات ورفع اليافطات، لا يغير من أوضاعنا شيئاً. لذلك فإن العمل الحيوي والهام، هو الذي يتجه إلى بناء القوة الحضارية للمجالين العربي والإسلامي. القوة التي لا تنحصر في جانب واحد، بل هي قوة شاملة وتستوعب القدرات العملية والقوة الاقتصادية والمادية والتطور السياسي والاجتماعي.

من هنا فإن الثقافة السياسية المطلوبة، ليست هي الثقافة التي ترفع شعارات فضفاضة أو تحمل يافطات كبرى، وإنما هي الثقافة التي تنصب بوعي وحكمة لأسئلة الواقع وتتفاعل على نحو إيجابي مع إمكاناته وقدراته، وتسعى نحو خلق الحقائق والوقائع البديلة، في سياق العمل على بناء القوة الحضارية للعالمين العربي والإسلامي.

فالتحولات الكبرى والحقيقية، لا تنجز بالشعارات المجردة، بل بالكفاح المتواصل في بناء الحقائق وتشييد القوة وتوطيدها في الواقع الاجتماعي والسياسي.

ويخطئ من يتصور أن التغيير الاجتماعي، ينجز بالشعارات واليافطات، صحيح أن لهذه الشعارات الدور الأساسي في تعبئة المجتمع وتحشيد طاقاته، ولكن التحولات لا تتحقق بالتعبئة العاطفية، بل بالعمل الذي يستلهم من القيم الكبرى والأهداف العليا برنامج عمل وطني، يستهدف بناء القوة الحضارية والحقيقية للمجتمع. حيث إن القوة الحضارية وحدها، هي القادرة على إخراجنا من دهاليز الضعف والتردي.

ولا ريب ان انخراط قوى المجتمع الحية في مشروع المطالبة بالديمقراطية وتعزيزها في الفضاء السياسي والاجتماعي، سيساهم بشكل كبير في رفد هذه الحركة بقوة إضافية حقيقية على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية.

وذلك لأنه "دفع الإسلاميون غرامات باهظة من حرياتهم، وحقوقهم، وكرامتهم، في سجون النظام العربي أسوة بغيرهم، ولذلك، من الطبيعي أن يعرفوا جيداً قيمة الحرية، وان يحرصوا عليها ضد الكبت والقمع والطغيان. لكن الأهم أنهم إذ اختاروا أن يضووا في مجرى الكفاح الديمقراطي الواسع، أدخلوا إلى ساحة هذا المعترك قوة جماهيرية ضخمة ذات ثقل في ميزان القوة، و-بالتالي -فقد عززوا من رصيد هذا النضال، وحسنوا من حالة التوازن التي كانت دائماً مختلة لصالح النخب الماسكة بالسلطة".

وفي تقديرنا أن هذا الانخراط، سيضيف للواقع السياسي في الدائرتين الوطنية والإسلامية، العديد من عناصر القوة التي هي في المحصلة النهائية ذات إثر إيجابي وحيوي في مشروع التحول السياسي-الديمقراطي.

ولقد أثبتت أحداث المنطقة وتطوراتها، أنه لا يمكن مقايضة الديمقراطية وحقوق الإنسان بأهداف وتطلعات أخرى. وذلك لأنه لا يمكن إنجاز تطلعات المجتمع والأمة إلاّ على قاعدة الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لذلك نقول وبشكل جازم، أن الديمقراطية بكل ما تحتضن من قيم الحرية وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة، هي حجر الأساس في مشروع التقدم والتطور السياسي والاجتماعي. وكل محاولات التقدم بعيداً عن الديمقراطية ومقتضياتها، فإن مآلها الأخير هو المزيد من تراكم الأخطاء والإخفاقات.

فالإصلاح السياسي والحد من مظاهر الاستفراد بالقرار والسلطة، هو حجر الزاوية في مشروع الخروج من مآزق الراهن وتوتراته الصعبة.

اضف تعليق