نجحت الدول الناهضة في تحقيق مستويات عالية من التطور والتقدم عندما حقق الانسان لديها تحولاً من الحالة الفردية الى الجماعة، على الصعيدين؛ صعيد التفكير، وصعيد العمل، فلا تتحرك صامولة ولا عجلة في مصنع، أو ورشة تقنية إلا بتحرك فريق عمل فكّر بشكل جماعي، وجمع العقول وصهرها في قالب واحد، ومن ثمّ في مرحلة العمل، الجميع ينفذون ويعملون مثل خليّة النحل، بهدف مشترك واحد.

في بلادنا المسكونة بالأزمات المتشابكة؛ النفسية منها ذات العلاقة بالانسان (الفرد)، والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فان الطموح لأن يكون لدينا عمل مشترك، يبدو أمراً بعيد المنال، او خطوة متقدمة جداً في مسيرة النهضة والتغيير، إنما المعاناة على الصعيد الذهني ومنهج التفكير، لاسيما في أوساط الشريحة المثقفة المبتلاة أكثر من غيرها بشرنقة الفردية لما تدعيه من العلم والمعرفة وسعة الاطلاع أكثر من الآخرين يصعب معه التنازل –ربما- الى أقرب المقربين عن فكرة لديه او رأي!

تجاهل الآخرين وضياع القدرات

هي نزعة نفسية مغروزة في افراد البشر؛ حب الذات والأنا، والاعتداد بالنفس، تعلو وتخبو حسب الظروف الموضوعية، والحالة النفسية للانسان، ولعل في هذه النزعة جانب ايجابي ينطلق منها صاحبها نحو التنافس مع الاخرين على العطاء والابداع، إنما المشكلة تحصل في استفحال هذه النزعة وتغولها داخل النفس لتؤدي دوراً معاكساً تماماً، وتعيق حركة الانسان الطموح مهما اعتقد بصحة ما يذهب اليه، وهذا ما يعبّر عنه سماحة الامام السيد محمد الشيرازي في كتابه "لنبدأ من جديد" بـ "مداراة الناس"، فان "من أهم ما نجدد به الحياة ونبدأ به المسيرة التطورية؛ ملائمة الزمان ومداراة الناس".

وهذا بحاجة الى وعي بالحاجة الى آراء الآخرين الى جانب وعي الذات وقدراتها، وقد سبق الجميع أمير المؤمنين، عليه السلام، عندما قال: "أعقل الناس من جمع عقول الناس الى عقله"، فاذا كانت ثمة فكرة او رأي حول قضية ما، فمن المؤكد وجود افكار أخرى لدى افراد آخرين في المجتمع، لاسيما اذا كانت تلكم الآراء والافكار مصحوبة بقدرات وامكانات من شأنها الاسهام في مشاريع التنمية والتطور، فعندما يتغلب الاعتداد بالرأي على المصلحة العامة من الطبيعي ان تهدر الطاقات وتهمش الكفاءات.

فمن يروم الإسهام في مشاريع التنمية ويدعو لها، لاسيما عبر وسائل الاعلام، ما عليه إلا ان يضيف شيئاً من المصداقية بإعطاء مساحة كافية للرأي الآخر ومن لديه فكرة جديدة، بل ومقارنة ما لديه مع ما لدى الآخرين، فربما يكتشف الخطأ عنده. ينقل سماحة الامام الشيرازي في هذا الكتاب بان "الحكماء أحصوا ثمانمائة خطأ للحواس، فاذا كان الامر كذلك في الحواس فكيف حال غير المحسوسات"؟!

ثم إن عامة الناس لديهم اذواق وطباع مختلفة –يقول سماحة الامام الشيرازي- على الرجل المثقف المعتدّ برأيه وافكاره أخذ هذه الظاهرة الاجتماعية الصحّية بنظر الاعتبار، فربما بين ثنايا هذا المجتمع الكبير يكون ثمة رأي صائب، او فكرة سديدة، فاذا تستمر حالة التهميش او التقليل من شأن الآخرين –كما هو الحال- فان أول ردود الفعل؛ الانفصام بين القاعدة الجماهيرية والقيادة، وفي مرحلة لاحقة ربما يفضّل البعض مغادرة البلاد بمعية تلكم الافكار والابتكارات والبحث عمن يقيمها ويقيّم صاحبها. وهذا ما نشهده في العراق وعديد بلادنا الاسلامية.

بين تعدد وجهات النظر والاستبداد بالرأي خيط رفيع

الكثير يزهو بجملة "تعدد وجهات النظر"، بدعوى انها من مظاهر التحضّر ولوازم التقدم، لاسيما على الصعيد السياسي، متخذين منها الدرع الواقي ضد كل ما يدعو الى الديكتاتورية والاحتقان السياسي ومصادر حريات الآخرين، بيد أن الجملة لا تعدو عن الاطار النظري، وتحتاج الى مخرجات ونتائج مستخلصة من هذا النوع من التعددية، كما أسلفنا، كأن تتحول الى لجنة بحثية في مستشفى لايجاد علاج لامراض خطيرة، او تتشكل منها لجنة لصياغة منهج دراسي، الى جانب أعمال كبيرة ومصيرية تتعلق بمؤسسات الدولة، أما أن تكون مجرد لافتة يعنون صاحبها ذاته أمام الآخرين، فانه لن يقدم أفضل مما يقدمه الديكتاتور في قمة السلطة –مع الفارق- فهذا استبدّ برأيه الواحد في قمة السلطة، وذاك استبد برأيه الواحد ضمن آلاف الآراء المستبدة في القاعدة الجماهيرية، او لنقل في المنطقة الوسطى من الهرم القيادي، لا فرق.

في القرآن الكريم جملة ذات دلالات عميقة نكررها كل يوم عدة مرات: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، ولهذا التكرار الالزامي في الصلاة حكمة واضحة من لدن حكيم خبير، بأن ينتبه الانسان الى وجود صراط مستقيم واحد، لا صراطات متعددة، فالطريق الى قيم الحق واحد وواضح، فلا يعقل الدعوة الى أن تلبس المرأة والفتاة ما تشاء في الشارع لتحقيق الحرية الفردية –مثلاً- مما يستدعي الأمر أن تكون لدينا ما يشبه خليّة النحل تحوم حولها المئات او الآلاف من النحل يؤدون مهمة واحدة وهي الارتقاء بمستوى وعي الناس وتجديد الثقافة وصناعة الافكار المفيدة والبناءة بما يسهم في انتشالهم من واقعهم المزري والتطلع الى مستقبل واعد.

اضف تعليق