جلست الوفود التي قدمت من تسعة دول بالإضافة الى فرنسا للمشاركة في مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة بقاعة المؤتمرات في المنطقة الخضراء، جميع العراقيين او اغلبهم جلسوا امام شاشات التلفاز يترقبون ما سيتحدث فيه الوافدون، واي الملفات سيتم طرحها بين دول المنطقة؟، التي تعيش حالة أفضل بكثير من السنوات الماضية نتيجة التفاهمات الجزئية بين حكامها على أهمية خفض نسبة التوترات في المنطقة.

بعد ما يقرب من الساعتين ألقيت خلالها جملة من الكلمات التي أشادت جميعها بدور العراق الجديد في المنطقة، حيث انتهت القمة بجملة من المخرجات أبرزها انها أسهمت في تغليب لغة العقل والحكمة وتعظيم المصالح المشتركة على لغة الخلافات والتوترات التي أعاقت المنطقة عن تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية الشاملة والمستدامة، ومن ثم فإنها اسست لمرحلة جديدة من التعاون والتلاقي وتوظيف الفرص وتفعيل القواسم المشتركة بين دول المنطقة.

وللقمة مخرجات أخرى بحاجة الى زاوية نظر أكثر دقة تتمثل بزاوية نظر الساسة العراقيين اذ وصف المتحدث باسم الحكومة العراقية هذا المؤتمر بأنه دليل على ان العراق "عائد بقوة للعب دوره الإقليمي والدولي بعد سنوات كثيرة من العزوف والانقطاع"، وان المجتمع الدولي "بات مرحبا بهذا الدور".

ويبقى السؤال الأكثر مركزية هنا بعيدا عن التمثيل الدبلوماسي الذي حضر في المؤتمر، الى أي مدى سيسهم المؤتمر في تحقيق التعاون والشراكة الفعلية والابتعاد عن سياسة التخندق التي تحكم المنطقة العربية وفق التقاطعات بين الدول؟، ذهابا نحو التفاهمات المشتركة التي تحرك العجلة الاقتصادية في عموم دول المنطقة بعيدا عن الرغبات الخارجية وتفضيل المصلحة القومية.

المتشائمون وما اكثرهم في العراق لا ينتظرون أي فائدة من هذه المخرجات، وما حصل في بغداد يوم 28 من شهر آب الجاري ليس الا دعوة او حفلة علاقات عامة بين الدول الاشقاء الى جانب إيران وفرنسا، وبناء اهرامات من الآمال المزيفة التي سرعان ما تنهار بخروج آخر وفد مشارك في القمة او بعد ذلك بأيام قلائل على مستوى وسائل الاعلام المحلية والدولية.

فالشكوك تحوم حول الجدوى من هذا المؤتمر، وما يرجح مقبولية تصور الأغلبية هو عدم الوصول الى نتائج ملموسة في القمم والمؤتمرات السابقة، على الرغم من تركيز اثنين منها على تحسين الأوضاع الاقتصادية، ففي عام 2012 احتضنت بغداد وقائع انعقاد القمة العربية بدورتها الثالثة والعشرين والتي وصفها المالكي رئيس الحكومة الأسبق في حينها، "انجاز تاريخي سيسهم في استعادة العراق لدوره المؤثر في المنطقة".

وذهبت في مهب الريح مخرجات مؤتمر الكويت لإعادة إعمار العراق المنعقد عام 2018، وصرح وقتها حيدر العبادي، "ان التنمية في العراق هي تنمية لكل المنطقة وجيرانه، فنحن اليوم نرسخ مفهوم أن العراق جسر للتلاقي وليس ساحة للصراع، وأن يكون العراق مساحة للتفاهمات المشتركة وبوابة لتبادل المصالح والمنافع والرؤى والأفكار".

عندما تراقب الكلمات التي تم القاءها والتصريحات الصادرة من المسؤولين الحكوميين تجدها نفسها التي ألقيت قبل أكثر من تسعة أعوام، بمجرد اختلاف الشخوص الناطقين بها، اذ ركز جميع الزعماء المشاركون على أهمية تجنيب العراق الصراعات والتدخلات الإقليمية، وكأنهم يقولون لإيران ارفعي يدك عن التدخل بشؤون شقيقنا العربي (العراق)، وفي نفس الوقت اغلب المنادين بهذا الاتجاه لهم مصالحهم الخاصة في البلاد ولهم من ينفذ اجندتهم التي تخدم مصالحهم.

أضف الى ذلك نقطة جوهرية وهي تأكيد اغلب الحاضرين في القمة على ضرورة اجراء الانتخابات العراقية في موعدها المقرر، وكأنهم يعولون على نتائجها لمعرفة مستوى تأثيرهم على الوضع الداخلي وسيطرتهم على زمام الأمور، فهم ينتظرون من سيقف الى جانبهم بتحقيق حلمهم المتمثل بإبعاد إيران عن الساحة العراقية رغم صعوبة تحقيق ذلك.

فالتحركات الحكومية بقيادة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي خاصة وان عمر حكومته لا يتجاوز بضعة أشهر على أبعد تقدير، سواء جرت الانتخابات المبكرة المفترضة في موعدها المقرر، أم تأجلت إلى موعدها الدوري منتصف العام القادم، تشي بنوع من الرغبة الجامحة لدى الكاظمي بالتمهيد من اجل البقاء رئيسا للحكومة المقبلة، مستفيدا من الدعم الإقليمي والدولي لاسيما بعد جولاته المستمرة وزياراته لجميع المحاور.

انتهت مراسم القمة ولم ينته امل العراقيين بأن ينجح بلدهم في تغيير الصورة النمطية المترسخة عن المؤتمرات واللقاءات الدورية، فما لم يتحقق في عامي 2012 و2018، ممكن ان يتحقق في الأيام القادمة، ويصبح شعار العراق جسرا للتلاقي، الهدف الأساس الذي يسعى الجميع لتحقيقيه، ولن يتحقق دون معرفة السياسيين ما يحمله بلدهم من بعد سياسي وتأثير على المنطقة في صياغة قراراتها على مستويات عدة وتحقيق الاستقرار النهائي.

اضف تعليق