اذا كانت كتابة التاريخ فن، برع فيه عدد محدود من المؤرخين الذين جمعوا بين ذكر الواقعة واستحضار روحها، لدرجة تجعلك تحسّ الحدث وتعيش تفاصيله، فان قراءة التاريخ ايضا فن، اي ان قارئ الحدث اذا ما اسقط عليه ثقافة عصره، ولم يستحضر مناخ المرحلة التي يقرأ عنها، فأنه لن يتمكن من فهم الحدث او الولوج الى اعماقه، لاسيما الأحداث المفصلية التي تكون لها تداعيات تؤثر في المستقبل وتسهم في صناعته.

فيصل الاول، الأمير الذي ركب الامواج العالية مطلع القرن الماضي، مع انطلاق الثورة العربية في العام 1916 من الحجاز.. كانت معاناته مركّبة، ويستطيع قارئ تلك الحقبة ان يلمس ذلك، من الذي حصل معه في دمشق بعد ان تم تحريرها في العام 1918 حيث سيصبح ملكا على سوريا في العام نفسه، لكن اللعبة الدولية والتفاهمات بين البريطانيين والفرنسيين لتقاسم النفوذ، ازاحته عن العرش في العام 1920.

شخصيته المؤثرة ومكانته ومكانة عائلته في نفوس الناس ولما عرفوه عن دوره في الثورة، شجعت البريطانيين مرة اخرى على ترشيحه لعرش العراق الذي نافسه عليه كثيرون، وقد كانت الفترة التي اعتلى خلالها العرش حافلة بالتحديات التي يمكن وصفها بالمصيرية فعلا.

لسنا هنا بصدد استعراض حياته، وانما فقط اردنا التوقف عند حكمته في معالجة واحدة من اعقد المشاكل التي واجهت العراق الحديث في بداية تـأسيسه، وهي (مشكلة الموصل)، لقد وضعه البريطانيون امام خيارات صعبة، فالأتراك طالبوا بالولاية انطلاقا من حجة طرحوها، تتمثل في ان احتلالها حصل بعد معاهدة (مود روس) في العام 1918 التي انهت الحرب بين الدولتين، (بريطانيا والدولة العثمانية) اذ دخلها (الجنرال مارشال) البريطاني.

وزحف الى الحدود الحالية مع تركيا، قبل ان يصدر قرار وقف اطلاق النار لجميع الدول المتحاربة من بروكسل عاصمة بلجيكا.. الخيارات الصعبة تمثلت في ان بريطانيا ارادت ان يبقى العراق تحت الانتداب البريطاني لمدة 25 عاما مقابل دعمه في مفاوضاته مع الاتراك لإبقاء الموصل ضمن العراق، الامر الذي رفضته وبحماسة، قوى وطنية عدة.

لكن الرجل بحكمته ورؤيته المستقبلية، وجد ان مدة الانتداب مهما طالت فإنها ستنتهي، لكن الموصل اذا ما ضاعت، وهي العراقية اصلا، فلن تعود، منوهين هنا الى ان البريطانيين وكما يذكر المؤرخ العراقي د. سيار الجميل، احتلوا الموصل، استكمالا لاحتلالهم العراق، انطلاقا من قناعتهم بانها عراقية تاريخيا، بما تمثله من امتداد للحضارات العراقية السابقة لها، السومرية ومن ثم البابلية، وبعدها الآشورية التي هي خلاصة لسابقتيها.

لقد عمل الملك فيصل على اقناع الاطراف الرافضة لهذه الرؤية والتي اثبتت صحتها واثبتت بعد نظر هذا الرجل الذي عمل على وضع اسس سليمة لدولة مدنية، مع احترام الخيارات الخاصة لجميع الاديان والطوائف في العراق المعروف بتعدده، اي انه جنّب العراق منزلق الانحياز السياسي لجهة معينة على حساب اخرى، فحظي باحترام الجميع.

ولعلنا اليوم ونحن نعيد هذه الوقائع المجتزأة من تاريخ العراق المعاصر وجزء من سيرة الملك فيصل الاول، يحضر امامنا واقعنا المؤلم حيث التجاذبات الدينية والطائفية والعرقية التي دفع ثمنها العراق من أمنه وتنميته ومستقبله، بسبب البناء غير السليم لدولة ما بعد 2003 وعدم الإفادة من قراءة تلك المرحلة المهمة من التاريخ.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق