ينشغل الباحثون والخبراء في قراءة الحدث الافغاني الجديد من زواياه المتعددة، فيما تهيمن القراءات الاحتفالية على شطر من (الاسلاميين) معتبرين ما حصل في بلاد الافغان فتحا مبينا، بينما تبدو المشاهد المحزنة لاكتظاظ الناس في مطار كابل دليلا اخر على استمرار المأساة الانسانية بكل فصولها المرعبة.

المأساة التي تترجم نفسها قرينة وشاهدا على ضياع مائة عام من عمر شعوبنا وبلداننا وهي تكابد محنة فشل الدولة، وفشل الساسة والقادة والاحزاب والشعوب والفكر السياسي المتداول. مائة عام ولم تنضج الرؤى ولا تغيرت الامزجة، ومازالت الافكار ومشاعر الكراهية ومنطق التغالب والهيمنة وعدم الثقة يطيح بأمكانية الوصول الى تسويات سياسية يربح فيها الجميع ويتنازل فيها الكبار والصغار لاجل عيش مشترك ومصير معقول وحياة بلاعنف.

سيسجل التاريخ المعاصر صور تساقط الناس من الطائرات المغادرة كأحدث ظاهرة على محاولة البشر البحث عن حياة افضل أو النجاة من كابوس عودة نظام سياسي ديني تخشاه الناس على حرياتها واختياراتها وفهمها للمواطنة السياسية.

الافغان الخائفون العازمون على الرحيل من بلادهم يكررون هجرة اجيالهم الذين تدفقوا على باكستان وايران عشية الاحتلال السوفييتي لافغانستان عام 1979 لحماية جناح بابراك كارمل الماركسي مقابل اسقاط جناح حفيظ الله امين الاقل موثوقية عند السوفييت. يومها عانى الملايين من الذل والجوع وخسارة التعليم وفرص العمل وتحسين شروط الحياة، وكان من جراء ذلك ان اصبح مئات الالاف جنودا مؤدلجين بيد حركات اسلامية متطرفة وساحة للفكر العنيف الذي وفر حاضنة لتنظيم القاعدة التي ما لبثت ان انتجت داعش واخواتها، ودخل العالم الاسلامي كله في مرحلة من اخطر مراحل تاريخه وهي مرحلة تقويض الدول القائمة لصالح مشروع دولة الخلافة المتخيل.

ماذا ربحت افغانستان من هذه التقلبات والازمنة السياسية العنيفة، والتحولات الحادة في مسار حياة اجيالها؟ لقد دفعت هذه البلاد جنون الصراع الدولي ومخططات حروب النيابة وصراع المشاريع الايديولوجية، ولان البلاد منقسمة التكوين على عرقيات واقوام ومذاهب وطوائف، صار لكل عرقية واثنية جيشها واحزابها وفكرها السياسي وارتباطاتها الخارجية، وانتهى امر الدولة الى نموذجين، نموذج يرعاه الخارج ويدعمه بالسلاح والمال فاخفق في ضمان الحد الادنى من الامن والسلام الأهلي، وانتهى به الفشل الى حمامات دم ومؤسسات هزيلة انهارت فور اعلان الراعي الرسمي انسحابه من الميدان، حصل ذلك عام 1989 بعيد انسحاب السوفييت، وتكرر المشهد مع انسحاب الامريكان الان.

اما النموذج الاخر، فكان نظام المنتصرين بقوة السلاح وليس بقوة الاجماع والاجتماع والاقناع، فقد حكم المجاهدون المنتصرون على السوفييت سبعة اعوام قضوها في صراعات وحروب اهلية، الى ان جاءتهم طالبان باندفاع وخطط رسمها جنرالات الباكستان، ثم حكمت طالبان خمسة اعوام لتطيح بها طائرات الامريكان وقاذفاتهم الستراتيجية بعدما غدت افغانستان وكرا للشيطان بتعبير البيت الابيض.

الان تعود طالبان ويفرح مناصروها العرب والمسلمون، ويشمت بالامريكان كثيرون، لكن قليلين الذين فكروا بمصائر ملايين الافغان الذين لن يجدوا معاشات تقيم اود عوائلهم، وقليلون الذين افزعهم ما سيحدث عندما ينفلت السلاح وتعود افغانستان مسرحا لمقاومة باسلة ضد طالبان التي ستعمل السيف في رقاب من لا يقبل بوصفتها السياسية وامارتها الدينية.

اعتاد الافغان حياة البؤس والمخيمات والفقر والتشرد، وما تخلى زعمائهم وشيوخهم عن عصبياتهم الدينية والقومية وافكارهم البالية، لقد ضحوا بالدولة الجامعة الحاضنة لاعراقهم ومللهم ونحلهم من اجل أهداف لا تلقي بالا لفقرائهم واجيالهم الطامحة الجديدة. لقد سمحوا لقوى الخارج ان تتلاعب بمصائرهم فصار السقوط من الطائرات اهون على بعض مواطنيهم من البقاء في منازلهم انتظارا لدورة عنف جديدة وحياة بئيسة.

مشهد الطوابير في مطار كابل يناظر مشهد الطوابير على محطات الوقود اللبنانية، ومثله مشهد مخيمات السوريين وامثالهم، ضاعت الدولة بسبب صراعات ومطامع ملوك الطوائف وقادة الاحزاب ومخططات اللاعبين الصغار والكبار، فتحولت شعوبنا الى لاجئين ومهجرين في بلدانهم، وجائعين ومتسولين ينتظرون الصدقات والهبات من الخارج، أو غاضبين ساخطين يبحثون عن فرصة للانتقام ممن اوصلهم الى هذه النهايات البائسة، كم من الاعوام ينتظر الناس ليولد جيل عاقل من السياسيين والحكماء الذين يفكرون الف مرة قبل ان يطلقوا شعارا ويؤسسوا احزابا توهم الناس بالخلاص والعيش الرغيد بافكار لا تنتمي الى عالم اليوم؟

ستظل شعوبنا ميدان تقاطع ومنافسة لمشاريع الحالمين والطوباويين واغراض القوى الفاعلة مالم تكتسب مناعة القطيع ضد كل انواع الاستتباع والاستلحاق وتؤسس عقدها السياسي والاجتماعي على فكرة المساواة في الحقوق والواجبات لا على فكرة دول الطوائف وهيمنة الجماعات.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق