تختلف بدائية مجتمع ما باختلاف زاوية النظر اليه: فهناك من يعتقد ان المجتمع بدائيا متى ما كان افراده لا يتقنون القراءة والكتابة او لا يحسنون استعمال الأجهزة ذات التقنيات العالية كالحواسيب وما شابه، وهناك من تتجسد لديه بدائية المجتمع بطبيعة علاقات ووسائل الإنتاج السائدة، أو في درجة تخلف او تقدم مؤسسات نظام الحكم... وكل هذه التصورات وغيرها هي صحيحة في مجال اهتمامها.

لكننا نريد ان نضيف تصورا آخر لبدائية المجتمع مبنيا على الجهل بالحرية، ولا اقصد الحرية بمعناها الضيق: السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافية كل على حدة، ولكن اقصد الحرية بمعناها الشامل المرادف لغياب الظلم بكل اشكاله ومستوياته، ومن أدنى سلم الهرم الاجتماعي الى قمته. فالحرية تكون جزئية منقوصة عندما ننظر اليها بمعناها الضيق، اما عندما ننظر اليها بقرينة غياب الظلم وما يرتبط به من مشاعر الكراهية والبؤس وانعدام القدرة على الفعل الخلاق المبدع والتنافر الاجتماعي والاكراه السياسي، فعندها نكون امام حرية حقيقية غير مزيفة يقطف ثمارها الرائعة الانسان، بصرف النظر عن حجم ثروته او قوة سلطته او ترتيبه في سلم الهرم الاجتماعي او انتمائه الفكري والديني، لذا أطلقت على هذه الحرية تسمية الحرية الشاملة.

ويقف بالضد منها تماما ما اسميه بالظلم الشامل، فالظلم مهما اشتدت وطأته يبقى قابلا للزوال عندما يكون جزئيا مقتصرا على أفعال الظالمين، وبالإكراه للمظلومين وبدون إرادة منهم او قبول، كأن يكون ظلما سياسيا او اقتصاديا او اجتماعيا او ثقافيا، فهكذا ظلم هو ظلم فوقي مقطوع الجذور يقوم به بعض افراد المجتمع وسط رفض وانكار من البعض الاخر، وغالبا ما ينهار ولا يستمر مع الافراد يتوارثونه من جيل الى جيل، لأنه يفتقر الى وجود حاضنة ثقافية-اجتماعية داعمة له او متناغمة معه على مستوى القيم والتقاليد والعادات وتراتبية المصالح والمؤسسات والطبقات الاجتماعية.

اما عندما يشيع الظلم في مجتمع ما، ويستمر وتتكرر وتتطور اشكاله عبر حقب زمنية عديدة، واجيال بشرية متعاقبة، فهذا يدل على انه لم يعد ظلما جزئيا او طارئا على المجتمع، بل بات جزء لا يتجزأ من منظومة تفكيره وقيمه وسلوكه، حتى لو تظاهر ذلك المجتمع او بعض افراده برفضهم له ظاهرا فان هذا الرفض لا يكون معززا بالتزام أخلاقي صارم، ولكن هل يمكن ان يتعايش الانسان مع الظلم؟

الجواب: نعم، فكما تعايش اسلاف البشر مع ظروف طبيعتهم الجغرافية والمناخية الصعبة واستمروا بالحياة على الرغم من قساوتها، كذلك فعل الكثير منهم مع الظلم المسلط عليهم، اذ مع مرور الزمن تصبح منظومة القيم والتقاليد والعادات والعلاقات والتنظيمات الظالمة جزء من تكوينهم الفكري والأخلاقي والسلوكي، فيبدأون بفقدان احساسهم بظلمها، بل وقد ينظرون اليها على انها من طبيعة الحياة او هي الحياة نفسها، وما عداها اما سماوي مثالي لا يصلح للبشر او معادي مدمر للذات لا يمكن التهاون معه. وعندما يصل المجتمع الى هذا الحال تكون منظومته الظالمة متغلغلة فيه بعمق لدرجة ان الافراد يتوارثونها كما يتوارثون أموالهم وخصائصهم الجينية.

لذا عندما تجد مجتمعا ما يأن طويلا من الظلم دون ان يبادر الى نزعه عن كاهله فافهم ان هذا المجتمع قد فقد حريته منذ زمن بعيد فلم يعد يفهمها، واصبح واقعه الظالم جزء من تركيبه الوجداني والفكري، فهو لم يعد يبحث عن حريته الحقيقية، انما يبحث عن وهم الحرية كما صورها له واقعه الظالم، ولهذا السبب تجد الكثير يقفون مدهوشين منذهلين من سرعة تمرد بعض المجتمعات على اشكال محددة من الظلم الواقع عليها وسرعة خضوعها الى اشكال جديدة من الظلم، بل وتحول المتمردين على ظلم او ظالم ما الى ظالمين يمارسون نفس الظلم الذي تمردوا عليه أو أشد منه وأقسى.

ان المجتمع البدائي في تصورنا هو مجتمع فقد حريته لوقت طويل وتعايش مع حياة الظلم بجميع اشكالها حتى بات يحترم الظالم وينفر من غير الظالم، ويتبع الطالح ويهجر الصالح، ويقدر الشعوذة والخرافة ويستهين بحقائق العقل والعلم، ويرتبط بشدة بالماضي فيما يسير بلا رؤية نحو المستقبل، وتكبُر في عينه الجماعة فيما يصغر الفرد ويقف عاريا معزولا منبوذا، بل ويتفاخر –أحيانا- بالظلم والشعوذة والجمود حتى على مستوى عادات اللباس والاكل لا لشيء الا لأنها انعكاسات لواقعه الذي ولد ونشأ فيه والتي أصبحت بمرور الوقت سلاسل غليظة من الصعب كسرها، وجدران منيعة تحول دون رؤية ما عداها.

وما يزيد من صعوبة فهم الحرية في المجتمع البدائي هو ان علاقات افراده لا يحددها الاختيار الحر والرأي الموضوعي انما يحددها الولاء من الأدنى الى الأعلى، كالولاء للأسرة والعشيرة والمنطقة والطائفة والحزب وما شابه، وهو ولاء مقترن بمفهوم الطاعة والخضوع أكثر من مفهوم الحق والعدل، لذا من السهولة ان تعثر على مصاديق كثيرة لذلك في المجتمع البدائي، فتجده يطالب الفرد بالخضوع لأسرته او عشيرته او طائفته او زعيم حزبه او حكومته... بصرف النظر عن عدالة القضية او صدق حجتها.

هذه الحالة المشوهة من الولاء الى الأعلى: من الصغير الى الكبير، من الضعيف الى القوى، من الفرد الى المجموع، من المحكوم الى الحاكم هي التي ترسم ملامح السلطة والحكم في المجتمع البدائي ليغدو بقيمه واحكامه وتنظيماته وانماط سلوكه أشبه ما يكون بالمجتمع العسكري، وهذا يفسر أسباب الميل نحو العسكرة في مثل هذه المجتمعات، ويفسر-أيضا- ميلها المستمر نحو الأنظمة المركزية، والحكام الطغاة، كما يجيب بدرجة عالية من الموضوعية عن السؤال المهم وهو: لماذا تكون الفئات الهشة والضعيفة في المجتمع البدائي: الطفل، المرأة، الفقير، اليتيم، الشاب... هي الفئات الأكثر تعرضا للظلم وغياب العدالة الاجتماعية؟

فعندما يميل ميزان التقدير والاحترام نحو الأعلى تميل معه –أيضا- المصالح والامتيازات والثروات، فيغدو الأقوياء في المجتمع هم الأكثر حظوة وثروة ونفوذا وسطوة، فيما يغدو الضعفاء أكثر ضعفا وانتهاكا وانسحاقا، بل وعليهم تقبل حالهم برضا وطيب خاطر طالما ان الأقوياء يتنعمون بالرضا على عكس الحال عندما يميل الميزان نحو الأسفل، ففي الحالة الأخيرة لن يكون الضعفاء مهمين لضعفهم فقط، بل سيكون الانسان مهما لإنسانيته وتتوجه نحوه المصالح والامتيازات والثروات بصرف النظر عن أي شيء آخر.

وفي المجتمع البدائي لا قيمة للمنهج النقدي؛ فالنقد يهدد سكون الافراد واستراحتهم الفكرية؛ لأن الفرد في مثل هذا المجتمع قد ألف الجمود حد العبادة، وألف الحياة كما عاشها أسلافه من الآباء والاجداد حتى بات يستوحش من التغيير الفكري والسلوكي والحياتي، وكل محاولة لإقناعه بأنه يعيش حياة ظالمة او غير صحيحة تكون متهمة، وصاحبها مبتدع أو متآمر. وعليه ليس سهلا ابدا حث الفرد في مثل هذا المجتمع على التفكير او العمل بخلاف ما يعتقد انه صواب، ودفعه الى السير في هذا الطريق ينطوي على مغامرة خطيرة للغاية، او جهد مصيره الضياع والفشل.

فضلا على ما تقدم، يهدد المنهج النقدي مصالح الأقوياء من الافراد والجماعات والمؤسسات، فهؤلاء اقاموا مرتكزات مصالحهم في ظل علاقات متجهة نحو الأعلى، وهي في الغالب مصالح باطلة وغير عادلة مسنودة بمنظومة أخلاقية داعمة تشكلت عبر أجيال متواترة، لذا هم غير مستعدين اطلاقا لفسح المجال امام المنهج النقدي خشية ان يقوم بتهديم سردياتهم المتوارثة وتغيير ميزان القوى لغير صالحهم، فالأقوياء لا يهمهم العدالة الاجتماعية بقدر ما يهمهم بقاء الحال على ما هو عليه او تحركه باتجاه المزيد من مركزة المصالح والامتيازات بيديهم، بل هم يعتقدون ان هذه المركزة هي المعيار الصحيح للعدالة الاجتماعية بمفهومهم. ولهذا السبب تجد ان منهج التلقين والمركزية الإدارية هو المنهج الذي تعمل به المؤسسات في أي مجتمع بدائي، كونه المنهج المناسب للحفاظ على الوضع القائم، وإقناع الفرد والمجتمع بعلوية وصواب ما يعيشه من واقع الظلم.

ان فهم المجتمع البدائي بقرينة جهله بالحرية يفسر لنا سبب رزوح بعض المجتمعات تحت نير الظلم متعدد الاشكال، على الرغم من كون غالبية افرادها يتقنون القراءة والكتابة، ويحسنون التعامل مع الأجهزة والتقنيات الحديثة، واعتمادها على علاقات ووسائل انتاج متقدمة، وامتلاكها لهياكل دستورية شبه ديمقراطية، ومؤسسات تربوية وتعليمية كثيرة، وتفاخرها بشعارات راديكالية رنانة... فالجهل بالحرية آفة المجتمع البدائي التي تنكسر عليها كل الأفكار والاخلاقيات الثورية، وتهد معظم الرجال الصالحين، وهي التي تجعل الانسان لا يفرق بين البندقية التي يحملها الشرطي لحفظ الامن، والبندقية التي يحملها اللص والقاتل لزعزعته، كما لا يفرق بين مجالس العلم والنيابة والقضاء، ومجالس العشيرة والطريقة والوحدة العسكرية، فضلا على عدم التفريق بين مطالب الضعفاء بالعدالة الاجتماعية، ومطالب الأقوياء بالمزيد من قمع الحريات واحتكار الفرص والثروات...لأن الانسان عندما يجهل حقيقة الحرية، سيجهل معها قيمها واحكامها ودعاتها، كما يجهل علاقاتها واصول تنظيمها والتعبير عنها، وتضمحل جمالية الألوان في عينيه، فلا يبصر غير لونين فقط هما: الأسود والأبيض، فيشير الأسود الى كل ما يخالف نمط الحياة البدائية المتوارثة، فيما يشير الأبيض الى كل ما يتوافق معها ويعيد انتاجها.

وفي مثل هذا المجتمع تصبح الحرية مجرد وهم او سراب ينخدع به البعض، او هي حلم يراودهم خلسة ثم لا يلبثون ان يستيقظوا منه، او هي نوع من الرفاهية الفكرية لنخب لا تؤمن في قرارة نفسها بها، ولا تحسن التعامل معها اذا ما حصلت عليها، فالمجتمع البدائي مجتمع معاق فكريا وقيميا وسلوكيا، وتعكزه على الحرية لا يحرره من عوقه، فهو لا يبحث عن الحرية مستكشفا لجواهرها العظيمة ومتطلعا الى نتائجها الرائعة، انما هو يظنها صدفة مجوفة تستحق الكسر والالقاء في سلة النفايات، لذا سيعاديها بحجج شتى كحجج غربتها، واثارتها للفوضى، وتخريبها للعقائد والتقاليد، وقلبها للأعراف وهلم جرا، فيما يجتهد بإيجاد الذرائع للإبقاء على واقع الجمود المتوارث، وغياب العدالة المزمن، ورداءة القيم السائدة متصورا انه بذلك ارقى من غيره من المجتمعات، واكثر حرية واصالة.

ان الحرية لا تختص بمجتمع دون غيره، وهي كالدواء الذي يصلح لداء الانسان أي كان المجتمع الذي ينتمي اليه أو الفكر الذي يحمله، بشرط ان يكون مستعدا لتجرع مرارته، والانتظام على شروط تناوله، ومن يهمل ذلك لن يكتب له الشفاء من المرض، كذلك الحرية تجول بين الأمم والشعوب، وتتوارثها الأجيال، ولا تستقر ويخضر عودها الا في المجتمعات التي تكون مستعدة لتلقي هباتها، وتحمل ضريبة تطويرها وحمايتها، لذا تجدها في بعض المجتمعات قد ترسخت وحققت النجاح والتقدم، فيما بقيت لدى مجتمعات أخرى مجرد لقلقة لسان، ومظاهر شكلية فارغة من أي معنى حقيقي، فكما قال يوما ما مالك بن نبي: ان بعض المجتمعات لديها قابلية للاستعمار، بمعنى الاستعداد للخضوع لحكم المحتل، كذلك هناك مجتمعات لديها القابلية للاستعباد، بمعنى قبولها الطوعي لقيود الظلم وعدم استعدادها لكسرها وطلب حريتها، وهذه المجتمعات ستبقى بدائية مهما تقدمت وتطورت مؤسساتيا وعمرانيا.

* الأستاذ الدكتور خالد عليوي العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق