بناء دولة قوية يحتاج إلى لوازم وخطوات وأشياء كثيرة، أولها سن القوانين وتطبيقها وتوعية الشعب الذي سيدرك ما أن طُبِّقتْ هذه القوانين ستكون دولته من أعظم الدول، العراق بلد تكثر فيه القوانين دون تطبيقها، لذلك لا يمكن أن يتولد عدم الوعي المجتمعي، إذا اكتمل دور المنظمات المدنية، فجاءت منظمات المجتمع المدني كمنظمات داعمة للقانون العراقي وتطبيقه ونشر الوعي والثقافة القانونية التي من خلالها يصبح المجتمع العراقي رياديا في نقل أفكاره وتطوره الحقوقي الى المجتمعات الأخرى.

وعليه تبيَّن ان دور منظمات المجتمع المدني غائب ومتردٍ إذ ان اغلب الاموال التي تأتيهم تصرف على مؤسساتهم وأهدافهم الخاصة، لا على المجتمع العراقي وتطويره، لأننا لم نرَ دورات تطويرية في بناء الثقافة القانونية للمجتمع، ولم نجد ان هناك مناشدات ترفع للحكومة ولا الى الامم المتحدة حول تردي الوضع الحقوقي في العراق، وهذا الدور الشحيح يحتاج الى تطوير من داخل منظمات المجتمع المدني.

ويحتاج الى ورش عمل قانونية يتم من خلالها نشر الثقافة القانونية والحقوقية للمجتمع، وهذا لا ينفي ان للدولة دور مماثل او اكثر من دور منظمات المجتمع المدني في نشر الثقافة القانونية داخل البلد، لكن الدولة لم تسعَ في هذا الاتجاه، وفي حال استطاعت أجهزة الدولة المختصة من القبض على المرتشي والسارق والإرهابي ووضع حد لهذه الانتهاكات، عبر المراقبة المدنية، ومحاكمته وفق المواد القانونية الموجود في بلدنا سوف يشعر الشعب انه يعيش في بلد قابل للتطور وللتقدم، فلو أخذنا الدول المتقدمة نموذجا لوجدنا أن أول أمر حدد مصيرهم وكيفية تطورهم هو سن القوانين وتطبيقها والدور الكبير لمنظمات المجتمع المدني في توعية مجتمعات تلك الدول، وعليه تحتاج منظمات المجتمع المدني في العراق أن تبرز دورها الرقابي والتثقيفي الحقوقي، لإيصال الثقافة القانونية لشرائح المجتمع كي يطبق هذه الثقافة في أسلوب حياته اليومية، وفي مؤسساته المدنية والرسمية.

ولغرض معرفة الدور التثقيفي الحقوقي المهم لمنظمات المجتمع المدني في العراق، وجهت (شبكة النبأ المعلوماتية) السؤال التالي لعدد من المهتمين:

ما هو دور منظمات المجتمع المدني في تعزيز الثقافة الحقوقية للمجتمع العراقي؟

الدور المغيَّب لمنظمات المجتمع المدني

أجابنا الأستاذ الأديب جبار الكوّاز بالقول: لمنظمات المجتمع المدني دور مغيّب، لكنه دور عظيم في تطوير الوعي الحقوقي والقانوني للشعب، وهذا الدور تمّ تغييبه بسبب آلية تأسيس تلك المنظمات، تلك الآلية التي تتصف بسهولة منح الاجازة وتأثير المحسوبيات والمعارف وذوي السلطة على طريقة قرار المنح، وبهذا تم انتاج منظمات اشبه بالوهمية طمعا في مال او منصب او موقع اجتماعي او ثقافي، يتحصلون عليه جراء ذلك التأسيس الشكلي لهذه المنظمة أو تلك، ولهذا فإننا لو تابعنا اعداد منظمات المجتمع المدني مقارنة بما أنجزته في الواقع، فإنها بالمجمل لم تحقق شيئا مقبولا يتناسب وهدف التأسيس التنظيري الذي تأسست لأجله.

اقترح إعادة النظر بالاعداد الكثيرة لهذه المنظمات لتقليصه أولا، لتحقق الغرض منها اضافة الى إعداد برامج تنفيذية إجبارية لهذه المنظمات، وانخراطها بإلقاء محاضرات تهدف الى تطوير الوعي الحقوقي والقانوني للشعب.

منتسبو منظمات المجتمع المدني بحاجة للتثقيف

من جهته أجاب الأستاذ الناقد عبد علي حسن بالقول: على الرغم من وجود تعريفات عديدة للقانون إلّا أننا يمكننا أن نورد تعريفا يبدو معقولاً ومقبولاً لشموليته، فالقانون يُعرّف عموماً علىٰ أنه نظام من القواعد التي يتم إنشاؤها وتطبيقها من خلال المؤسسات الاجتماعية أو الحكومية لتنظيم السلوك.

ومن يضع هذا النظام والقواعد هو السلطة المسيطرة على البلاد التي تستمد أغلب قوانينها من الدستور المعبر عن إرادتها وإرادة الشعب في النظم الديمقراطية، ولاشكّ بأن الوعي بهذا القانون علىٰ مستوى الفرد والجماعة يُعدُّ ضرورة حضارية في المجتمع المدني، إذ أن هذا الوعي يضع الفرد والشعب أمام مسؤولية المعرفة بالحقوق والواجبات كيما يتمّ تنظيم سلوكه الذي يحفظ ذلك القانون وقواعده وصولاً إلى مجتمع مدني متحضر.

وللوصول إلى تحقيق هذا الهدف فإن الشعوب تسعىٰ إلىٰ بثّ الوعي القانوني والحقوقي بين صفوف أبناء الشعب الذين يعنيهم القانون بالدرجة الأولىٰ لضمان التطبيق الحي والواقعي للنظم القانونية والحقوقية بشكل أفضل وأكثر تأثيراً في تنظيم حياة المجتمع، وهنا تلعب منظمات المجتمع المدني دوراً كبيراً في إشاعة الوعي القانوني عبر جملة من الإجراءات والنشاطات التي تتيح لمنتسبيها معرفة محتوىٰ القوانين، ودور الفرد في تطبيقها ومعرفة طرق الانحراف عن الاتجاهات الخاصة والعامة للقوانين والثغرات التي من الممكن النفاذ منها لتعطيل هذا القانون أو ذاك، لوجود مصالح فئوية أو سياسية لحرف تلك القوانين باتجاهها.

ومن أجل تعزيز وتطوير الوعي القانوني والحقوقي لمنتسبي منظمات المجتمع المدني نرىٰ ضرورة التنسيق بين إدارات هذه المنظمات والجامعات العراقية والمؤسسات القانونية كنقابة المحامين لعقد ندوات تثقيفية لإغناء الوعي القانوني والحقوقي لدى أبناء الشعب، صوب تنظيم السلوك الفردي والجمعي الذي تهدف إليه القوانين وقواعد تطبيقها لبلوغ البناء المتكامل والضامن لحقوق وواجبات الفرد والجماعة، باتجاه بناء المجتمع الحضاري المتقدم.

الجهل بحقوق المواطنين مشكلة مستمرة

أما الدكتور منتصر حمود العوادي/ أكاديمي من جامعة بابل، فقال: لمنظمات المجتمع المدني في كل دول العالم دور مهم في نشر الوعي والثقافة ولاسيما الثقافة القانونية، كون أن اغلب مجتمعاتنا الشرقية ضمن ما يسمى بالعالم الثالث تجهل حقوقها القانونية، ولذلك تضيع بسبب تسلط المجتمع الذكوري والأعراف والتقاليد المخالفة في كثير من الأحيان للدين والقانون.

ومن هنا يبرز دور هذه المنظمات في التصدي لهذا الدور المهم وتعريف الافراد بحقوقهم المشروعة التي ضمنها الدستور والقانون، ولاسيما شريحة النساء التي غالبا ما تكون هي الخاسر الاكبر في مسالة ضياع الحقوق.

اقترح أن يكون لهذه المنظمات دور حقيقي وفاعل في المجتمع وليس فقط واجهة اعلامية او صورية، وذلك من خلال النزول الى الشارع ومعالجة المشاكل المجتمعية وتقديم النصح والوعي بشكل مباشر، وايضا اقترح ان تصل هذه المنظمات الى الاماكن الريفية والنائية التي غالبا ما تسود فيها ظاهرة التغييب للحقوق، وتنتشر فيها والتعنيف الاسري ولاسيما لشريحة النساء.

مشكلة التفاوت الثقافي في المجتمع الواحد

وأجابت الكاتبة أمل الموسوي/ مشرفة تربوية بالقول: الإجابة عن السؤال تتفاوت بين طبيعة المجتمع وتواجد عدد من منظمات المجتمع المدني في المدن العراقية وفاعلية هذه المنظمات في بغداد يختلف عن أربيل، وبالطبع يختلف كثيرا عن كربلاء او النجف لأسباب متعددة.

قد يعد وجود هذه المنظمات مهما في ضوء المتغيرات الفكرية والحضارة للمجتمع بعد سقوط النظام السابق وبدء مرحلة جديدة غاب فيها الدور الحكومي في إيجاد منظمات ونقابات فاعلة، في تلبية احتياج القطاعات المختلفة للمجتمع، وما نراه قد يكون مقتصراً على متابعة حقوق الإنسان ضد الانتهاكات وآثار الحروب والمعارك على المرأة والطفل وفكر المجتمع. وهو دور واضح جداً.

أما في مجال نشر الوعي القانوني فنادرا ما نجد نشاطاً في هذا المجال عدا ما لاحظناه وبشكل ضيق عند التصويت على الدستور العراقي الجديد أو عند تشريع قانون الانتخابات، نعم لاحظنا دور الإعلام في بعض القوانين المطروحة للتصويت والتي تتعلق بالقانون المدني او. ما يخص الحضانة او العنف الأسرى كانت هناك محاولات بائسة ومحدَدة جدا لبعض المنظمات، بشكل عام لا زال دور هذه المنظمات قاصر وضعيف لعدم وجود شراكة فاعلة مع المجتمع، واغلب المتطوعين في صفوفها لا يملكون الثقافة القانونية والتاريخية التي تؤهلهم للقيام بدورهم بفاعلية ونجاح وإقناع.

وهناك سبب رئيسي أن الإعلام لهذه المنظمات ضعيف جدا في نشر الوعي القانوني فهو يحتاج إلى مصورات ونشرات وإعلانات فضلاً عن اللقاءات والندوات والحوارات مع فئات المجتمع المختلفة، بالإضافة لوجود خبراء في هذا المجال لهم القدرة على التبسيط والاقناع في الزيارات الميدانية لهذا الغرض.

ولازال المعوق الأول في تنمية وإنجاح دور المنظمات هو قبول المجتمع لها وقناعته بدورها في التغيير وفهمه الواضح لدور هذه المنظمات وصلاحياتها، فأغلب المواطنين يتوقعون ان لها القدرة على اتخاذ القرارات ولا يفرقون بين المدني والحكومي، ومرد هذا الخلط تتحمله هذه المنظمات ايضاً، ومن خلال ما تقدم يتضح أن الدور الأول والأخير لمؤسسي هذه المنظمات إذ أن من الضروري الالتفات الى:

1_النظام الداخلي 2_الشراكة الفاعلة مع المجتمع 3_الاهتمام بكفاءة الأعضاء العاملين وتنميتهم 4_اعطاء أولوية للجانب الاعلامي المرئي والمسموع والمقروء واستثماره في نشر الوعي داخل المجتمع 5_الاعتماد على خبرات أصحاب الشأن القانوني والحقوقي لتحديد اهم القوانين المؤثرة في المجتمع والحاجة إلى فهمها وتوضيحها 6_ من الممكن إجراء استفتاء حول أي القوانين بحاجة إلى توضيح وتبسيط لما لها من علاقة مباشرة بحياة الناس وعلاقاتهم مع بعض، الموضوع يحتاج مساحة اكبر وخبرة ميدانية مع الاطلاع على أرشيف هذه المنظمات.

الطابع الشكلي لمنظمات المجتمع المدني

الكاتب حسن موسى، متخصص بتوعية وتثقيف الأطفال، أجاب: أرى أن اغلب منظمات المجتمع المدني في تأسيسها المبدئي كان الهدف منها ربحي (فساد مقنع) وفي اغلبها غير متخصصة. فكم من المنظمات التي اتخذت من الطفولة عنوانا وحصلت على منح كبيرة لكن قياداتها غير متخصصة في الطفولة ولا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد. لا في أدبها ولا فنها ولا ثقافتها ومع هذا فازت بما ارادت حتى ان بعضهم قد حقق شهرة واسعة من لاشيء وبعضهم وجدها مهنة مربحة يحقق من خلالها المال والشهرة معا، خاصة اذا كان مدعوما من قبل السلطة وأصحاب القرار.

وتحضرني اسماء باتت معروفة في هذا المجال. وما ينطبق على المنظمات التي تتخذ من الطفولة عنوان لها ينطبق على غيرها بمختلف التخصصات. ثم ان المنظمات الاكثر ربحا هي المنظمات التي أسسها بعض المسؤولين، وهي منظماتهم التي لها قيادات وممثلون حتى في الامم المتحدة او المنظمات الدولية الكبرى، حتى انهم طلبوني مرة لان أكون ممثلهم في الامم المتحدة ثم تغير الامر.

في الوقت الذي تنام منظمتي المتخصصة بين جوانح بيتي. أسوق هذا لأقول.. هل عرفت او سمعت ان منظمة مجتمع مدني تركت تأثيرها الاجتماعي او السياسي على البنية الاجتماعية او ساهمت برد مظلمة سياسية عن جانب من الجوانب... في المجتمعات الاخرى نعم لمنظمات المجتمع المدني تأثير كبير حتى على اصحاب القرار السياسي ناهيك عن التأثير الاجتماعي والثقافي والتعليمي والمهني، لكن هنا إنْ وجدتَ تأثيرا لمنظمة من تلك المنظمات أرجوك ان تخبرني. وسنبحث معا عن سبب هذا التأثير.. قد تقول لي فلانا وفلانا وتلك المنظمة وتلك وسأقول لك تعال معي نبحث عن جذرها وعائديتها.. منظمات المجتمع المدني مهمة جدا ومؤثرة جدا في كل الميادين ولكن في ارض أخرى وبلد اخر.

إقامة الدورات والندوات القانونية

من جهتها أجابت المحامية حنين عبد علي بالقول: لا يخفى على القارئ المحترم ما لمنظمات المجتمع المدني من دور كبير وفعال في المجتمع العراقي، كون هذه المنظمات تكون مهمتها تطوير الذات الخاص بالشخص العراقي، وبالتالي يؤدي إلى تطوير المجتمع العراقي بصورة عامة، عن طريق نشر البروشرات والبوسترات الخاصة بتوعية المواطن، فيما يخص حقوقه والتزاماته اتجاه العائلة الدائرة التي يعمل بها واتجاه الدولة التي يعمل تحت مظلتها.

ونقترح إقامة الدورات والندوات القانونية التي تشجع عمل هكذا منظمات وتطوره، وكذلك تقديم الدعم المادي والمعنوي لهذه المنظمات من خلال تقديم كل ما تحتاجه لتعمل على تطوير المجتمع، وتزيد من وعيه الحقوقي والقانوني.

وأخيرا لابد من القول بأهمية منظمات المجتمع المدني، لاسيما في توعية الناس بحقوقهم، صحيح هي تجربة جديدة في عمر الدولة العراقي والفرد العراقي، لكن يجب أن نصر على قطف ثمار هذه المنظمات من خلال الدور الرقابي الذي تقوم به في تتبع الأنشطة الحكومية، علما أن دورها الحقوقي يتصدر الأدوار لأنه يقوم بخلق فرد ومجتمع مدني يعرف ما هي حقوقه بالضبط، ويسعى ويتعلم كيفية المطالبة بها واستعادتها.

اضف تعليق