قصف جديد يطال مقاتلين عراقيين ينتمون إلى هيئة الحشد الشعبي على الحدود العراقية السورية في مدينة القائم شمال غرب بغداد، وهو خرق ليس الأول من نوعه وإنما جاء ليكمل سلسلة من عمليات القصف التي طالت مواقع للحشد الشعبي في مناطق مختلفة من العراق، كما استهدف القصف سابقا مواقع للدعم الوجستي ومخازن السلاح، ولعل أبرز الاستهدافات التي طالت الحشد الشعبي هو عملية قصف سيارة السيد أبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، والسيد قاسم سليماني رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، وهذا ما يدل على أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها مخاوف من وجود هذه الفصائل بعناوينها السياسية والعسكرية الرسمية وغير الرسمية.

من هنا تطرح استفهامات عديدة حول حقيقة وأبعاد هذه المخاوف، في المقابل ماذا يريد العراق من الولايات المتحدة خاصة وأن لها دور على القوى السياسية العراقية الآن بجميع انتماءاتها واتجاهاتها من خلال الدور الرئيس في إسقاط نظام صدام وبناء عملية سياسية جديدة تحتل القوى السياسية فيه اللاعب الأبرز ومن ضمنها القوى المكونة للحشد الشعبي؟!.

اعتقدت الولايات المتحدة بعد أن أسهمت بصورة رئيسة في إسقاط النظام البعثي أنها ستبني نظاماً جديداً يكون تحت دائرة نفوذها السياسي والاقتصادي، ويكون بوابة تصدير الديمقراطية للدول الشمولية الأخرى عربية كانت أو غير عربية، لكنها تفاجئت بصعود قوى سياسية وعسكرية مناهضة لها منذ الأشهر الأولى ما بعد التغيير ونخص بالذكر هنا التيار الصدري بفصائله المختلفة كجيش المهدي، وقوى شيعية أخرى كانت تعمل ضد الولايات المتحدة بالسر كمنظمة بدر.

قبل أن يشهد التيار الصدري خروج منشقين منه تمثلت فيما بعد بمجموعات عسكرية كالعصائب والنجباء وآخرون، ليكون لهذه القوى توجه سياسي مختلف عن التيار الذي غير من إستراتيجيته السياسية وحساباته الإقليمية والدولية، وعلى المستوى السني صعدت قوى راديكالية سلفية كجماعة هيئة علماء المسلمين وثم تنظيمات جهادية عديدة أبرزها تنظيم القاعدة والجيش الإسلامي وطائفة المنصورة، وتنظيم داعش، وما شابهها التي شكل أعضاء حزب البعث المنحل أغلب كوادرها خاصة على المستوى الإداري، فيما شكل فدائيو صدام عناصرها العسكرية إضافة إلى انتماء الشباب المغرر بها تحت عناوين دينية وطائفية، هنا دخل هذا المتغير في حسابات الولايات المتحدة ومع إضطراب الوضع الأمني وانتشار الإرهاب خصوصا في بغداد في ظل مقاطعة سنية في السنوات الأولى من التغيير ضرب الإرهاب بإجرامه أجساد العراقيين وظل يهدد حياتهم كل يوم.

وفي ظل ذلك طرح العراقيون استفهاما حول إمكانية الولايات المتحدة في وقف الإرهاب لاسيما في ظل إمكانياتها الإستخباراتية المتطورة إلى جانب تطور المنظومات العسكرية القادرة من الحد من الإنفجارات الانتحارية في ظل انتشار مقراتها العسكرية في أغلب المحافظات العراقية، وعلى المستوى الاقتصادي انغمست الشركات النفطية الأمريكية في الاستثمار في محافظات الجنوب من العراق وخاصة البصرة، وما أزعج الجانب الأمريكي أن الانتخابات جاءت بخلاف ما تريده من خلال صعود قوى تعتقد أنها ولائية وتنتمي لإيران وتعمل على ضرب المصالح والأجندات الأمريكية في العراق والمنطقة لحسابات إقليمية تتعلق بالأمن القومي الإيراني ونظامه السياسي.

وعليه، فإن الولايات المتحدة في ضوء المعادلات الداخلية والإقليمية وبين ما أرادته من عملية تغيير النظام قد تكون تحسست بخسارة الجانب السياسي بعد صعود قوى شيعية تعمل بخلاف الأجندات الأمريكية في المنطقة وعلى المستوى الإقليمي أيضا لكن في الوقت ذاته لا تريد الولايات المتحدة انهيار الوضع وضياع جهودها البشرية والعسكرية في التغيير، وبذلك عملت موازنة ما بين الجانب السياسي والجانب الاقتصادي فحرصت على الحفاظ على الوضع السياسي من أجل المصالح الاقتصادية وبعض الحسابات الجيوسياسية التي تخص حلفائها داخل العراق والإقليميين خاصة على مستوى دول الخليج وإسرائيل من أن يكون العراق محور ارتكاز بالنسبة لإيران باتجاه تهديد أمن إسرائيل ومجالها الحيوي.

لذا ومنذ انتهاء الولاية الثانية للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن لم يحتل العراق بالمرة أهمية في استراتيجيات الرؤساء الأمريكيين كاوباما ودونالد ترامب، ولأن بايدن من حيث التطور أو العمل مع قادة العراق والأحزاب السياسية على تجاوز مشاكل العراق السياسية والاقتصادية، إلا في حدود التي قد تضر بمصالح الولايات المتحدة أو التهديدات الإرهابية كتهديد تنظيم داعش في العراق وسوريا، وفي ظل نظرة الولايات المتحدة هذه، أصبح تطبيق نظرية بناء السلام وتحقيق دولة الرفاهية من قبل الولايات المتحدة في العراق نظرية مؤجلة، إلا في حدود السلام العالمي ومصالح الولايات المتحدة وحلفائها أو مخاطر تهديده إلى حين حدوث تغيير في مجمل المعادلات السياسية والأمنية داخل العراق وخارجه.

في قبالة ذلك يعرض التساؤل الآخر ما الذي يريده العراق من الولايات المتحدة؟

يقر أغلب العراقيين بدور الولايات المتحدة في إسقاط نظام صدام الاستبدادي الذي عرف بمصادرته للحريات وحقوق الإنسان وإلغاء الحياة السياسية التعددية في العراق، كان أمل العراقيين منذ اليوم الأول من التغيير بدور مهم للقوى العالمية ومنها الولايات المتحدة في بناء العراق، والمساهمة في إيجاد العراق كامل السيادة على أراضيه، في الوقت نفسه حمل العراقيين الولايات المتحدة ووجهوا نقدا لاذعا لها من خلال الأخطاء والسلبيات التي رافقت عملية التغيير بدء من عمليات حل الجيش والشرطة والفوضى التي انتشرت في البلد وشملت مختلف الاقطاعات وأثر حتى على القطاعات الزراعية والاقتصادية فضلا عن الامنية، وتأسيس عملية سياسية قامت على عرف المحاصصة منذ عملية تشكيل مجلس الحكم وحتى مع إقرار الانتخابات كوسيلة وحيدة بموجب الدستور النافذ، لكن لا يزال عرف المحاصصة هو السائد على أغلب مؤسسات الدولة بدء بالرئاسات الثلاث إلى أدنى مؤسسة من مؤسسات الدولة.

فما يريده العراقيون من الولايات المتحدة هو إكمال خطوات ما بعد التغيير في البناء والإعمار، وتطبيق الديمقراطية بمبادئها العالمية، وتكون العلاقة مع الولايات المتحدة بمنطق الصداقة ولا يكون العراق محطة لتهديد الآخرين لا من الولايات المتحدة ولا من قبل خصومها الإقليميين، إذ أن مشاكل الدولة وإنهاك مؤسساتها وانهيار قطاعاتها الصناعية والزراعية والخدمية، وتداعيات ذلك سلبا على الواقع الاجتماعي وهذا الواقع من دون شك سيؤثر على الوضع السياسي من خلال تحميله المسؤولية الكاملة، يرافق ذلك غياب إرادة الوطنية في بناء الدولة والشعور بأنه الخيار البديل لأي قوى ساهمت في عملية التغيير أي الاعتماد على الذات بدل التشبث بالآخرين أو الارتكان إلى الذات الحزبية من خلال تحقيق المصالح المكوناتية أو الفئوية، وترك المشاكل تتراكم دون حلول وتحقيق انجاز يوازي طموحات الشعب في بناء دولته.

وفي ضوء ما تقدم من وجود إشكاليات في تحقيق ما يريده الطرفان الأمريكي من جانب والعراقي من جانب ثاني، فإن الحل الأمثل هو بالتفاهمات ما بين الطرفين وبطبيعة الحال وفي ظل ظروف البلد لابد من تقديم مصلحة الدولة على الحسابات الإقليمية والدولية أما غير ذلك فإن تداعيات التوتر ستظل تلقي بسلبياته على كل جوانب الحياة في العراق، وأعتقد أن الأسباب مواتية لعقد هكذا تفاهمات لاسيما وأن إدارة بايدن تريد تسوية بعض الملفات مع إيران في ضوء تفاهمات أولية بين إيران ودول الخليج وتقارب عراقي عربي غير مسبوق منذ تغيير النظام البعثي السابق.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2021Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق