يبرع العراقيون كثيرا في توصيف وتفكيك مشكلات بلادهم، فائض كبير من الدراسات والمقالات والندوات يتوازى مع حديث شعبي متواصل من الشكوى وربط النتائج بالأسباب، كم قليل جدا من الافكار والرؤى التي انتقلت من عالم الكشف الى عالم المعالجات والحلول، سبب ذلك هو الاستغراق في الجدل والضياع في متاهة الاسباب الداخلية والخارجية، والاختلاف الشديد في ترتيب الاولويات.

اعتاد العقل الثقافي العربي مقاربة المشكلات الراهنة مقاربة ثقافية، فهو يبحث عن جذور الفشل والاخفاق والعنف والتخلف والتعصب في منظومة الفكر والثقافة التي تشكل العقل السياسي، اسماء بارزة في فضاء الثقافة العربية ركزت كثيرا على دور التاريخ والعقائد والافكار والفلسفات والفقه والاخلاق، في ايصال العرب وكثير من المسلمين الى واقعهم البائس، المدرسة المغاربية برموزها الكبيرة، محمد اركون، محمد عابد الجابري، عبدالله العروي، عبدالاله بلقزيز، عبدالمجيد الشرفي هشام جعيط واسماء كبيرة اخرى، مضافا اليهم كبار المثقفين المصريين والشاميين على تفاوتات في المنهج والمقاربات.

لكن الحصيلة النهائية تجمع على ان سبب تعثر مسارات النهوض وفشل الدولة وتأزم المجتمعات واخفاق التحديث، تعود كلها الى اسباب ثقافية يجمعها مصطلح اللاشعور السياسي الذي اقترحه الجابري مستعيرا احد اهم مبادي مدرسة التحليل النفسي الفرويدية وربما مستفيدا ايضا من مفهوم اللاوعي الجمعي لعالم النفس الكبير كارل يونغ (1875-1961).

الراصد لانتقالات الازمة الشاملة من مظهر سياسي الى جوهر اقتصادي الى تصدع اجتماعي، وضمور فكري وثقافي يتفق مع هذه المدرسة كثيرا في ان للازمة جذر ثقافي -معرفي- فلسفي، لاشك غير ان استمرار الدوران والحفر المعرفي حول هذه القضية دون تجاوزها، يشي هو الاخر بمشكلة معرفية اعمق ،فاذا عجز عقلنا السياسي الذي تشكله مصفوفة عوامل وقنوات متعددة، عن اجتراح الحلول، لسبب منهجي واخر اجتماعي، وثالث متعلق بطبيعة العلاقة بين الفرد والدولة، وبين الدولة والدين في حياتنا، فلا اقل لانعدم التوجه الى الجمهور مباشرة، عل تظافر المشكلات والازمات الحياتية تضطره الى التفكير خارج الصندوق.

فلا يعقل ان نرى اتجاه الدولة الى اللادولة، والمجتمع الى جماعات متعادية، والاقتصاد الكلي الى نمط الدولة الخراجية، ويستمر تفكير الزعامات والاحزاب والكتل والجمهور الواسع بذات الطريقة، وبنفس المزاج العصابي، لابد اذن من اعادة تشكيل عقل المواطن، فهو الذي يعيد تنصيب الحاكمين والمتحكمين بالسلطات، وهو الذي يمنحهم المشروعية للحكم باليات الديمقراطية الشكلية، وهو الذي يشتمهم ويتظاهر ضدهم ويحتج عليهم، فيما هم يحسنون المتاجرة بأسم المواطن الفقير ويتظاهرون بالدفاع عن حقوقه ومصالحه، وهم الذين يقدمون انفسهم حراسا للعقيدة والمذهب والمصلحة والمستقبل، انها حلقة متواصلة لم تكسرها موجات النقد والسخرية والتهكم والتبكيت المستمر.

لأجل بناء وعي انتخابي، يعيد هندسة السلطات وفق منظورات تغييرية هدفها الدولة المقتدرة كما يدعوها الرئيس برهم صالح، لا مناص من ثقافة ايجابية تركز على البدائل والحلول، صحيح ان هناك من جعل تنقيح الدستور واعادة كتابته مدخلا للحل، وهناك من دعا الى تطبيق قانون الاحزاب، واخرون دعوا الى جدولة اسباب المشكلات للتعامل معها بحزمة حلول.

لكن المؤشرات تقول ان الطبقة السياسية عازمة على التمسك بالسلطة واعادة انتاج ذاتها بقليل من تغيير الوجوه، اما الحديث عن حلول للازمات ومعالجة داء الدولة العضال، فلا يتحدث به غير نفر من الباحثين والناشطين والكتاب، عدا ذلك تنهمك الزعامات في تحشيد كتلها الحزبية الشعبوية للعودة الى الامساك بالسلطة دونما رؤية تتضمن خريطة طريق لمعالجة الانسداد السياسي والعطل الاقتصادي والخدماتي، والشلل الاداري والقانوني.

يساهم الاعلام الحزبي ومنطق الصراع بين مشاريع الايديولوجيات الدينية والسياسية في تعطيل ولادة الوعي الجديد او في تأخير تمظهره عمليا، فالفضاء العام مُستهلك بعناوين وخطابات ضجة يومية تغطي على جوهر المشكلة، وتبعد التصورات الجادة لمعالجتها.

مشكلة العراق هي الفشل في بناء دولة الامة، وتوحد الفاعلين السياسيين على التمسك بمواقعهم، لأنها غنيمة سياسية تغطيها العقائد المُسوقة، وتدفع اليها عقلية القبيلة المسورة بالعصبية الاجتماعية والحمية المذهبية، دولة العراق العتيدة تحتاج الى مقاربة جديدة كي تولد من جديد وفق منظور الدولة الحديثة ،دولة القانون والمؤسسات والمواطن الحر، وليس دولة المذاهب والاديان والاحزاب، التي تحرص على آخرة الافراد وليس على دنياهم، أو الاحزاب التي تسرق دنيا المواطن بأسم مناكفة الاصولية والدينية الشعبوية، كلاهما يعملان ضد الفرد والدولة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق