طوت إيران صفحة الانتخابات الرئاسية بإعلان فوز المرشح المحافظ إبراهيم رئيسي الذي فُصّلَت عملية الترشيح على مقاساته وبما يضمن فوزه، وهذا ما حصل، وهو شأن إيراني داخلي لا نريد الخوض فيه، ما يهمها هو ما تسفر عنه عملية الانتخاب من تاثيرات على السياسة الخارجية الإيرانية تجاه العراق.

فالرئيس الجديد لديه استحقاقات خارجية كبيرة ومعقدة وعلى رأس القائمة الشأن العراقي الذي يختص من بين الدول بشبه حماية خاصة لا تريد إيران التخلي عنها، وهذا طبيعي في ظل الصراع الإقليمي والدولي، ولو كانت أي دولة مكان إيران وترى دولة جارة مثل العراق يعاني من الصراعات لتدخلت في شؤونه من أجل حفظ مصالحها وضمان عدم تسرب الفوضى والصراع إلى داخل حدودها.

لكن الذي لا يمكن للعراقيين تفهمه أو قبوله هو المحاولات الإيرانية فرض التوازنات داخل التكتلات السياسية العراقية عبر دعم طرف على حساب طرف آخر، رغم نفيها المتكرر لكن الواقع يتحدث عن نفسه.

بل أن إيران من جهة والسعودية ودول الخليج والولايات المتحدة من جهة أخرى جميعًا متهمون بتحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات فيما بينهم، إبرزها قيام الولايات المتحدة الأميركية باغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني ورفيقه أبو مهدي المهندس.

في ظل هذه البيئة التي يسودها منطق المغالبة يتطلع العراق حكومة وقيادة سياسية وشعبًا، إلى عدة أمور ينتظرها من الرئيس الجديد إبراهيم رئيسي وهي:

أولًا: دعم الفصائل المسلحة، فلا أحد ينكر الدعم الإيراني للفصائل المسلحة، بل ودعم انقساماتها لدرجة أنها تكاثرت بشكل غير قابل للعد، أما الفصائل الرئيسية فأصحب لديها تمثيل برلماني وحكومي، وهي رغم ذلك تشعر بالغبن، وعند أقل احتكاك بعناصرها تستعرض في الشوارع.

هذه الاستعراضات المتكررة يمكن لطهران إيقافها أو على الأقل تقليلها إلى الحد الأدنى عبر تأثيرات الحرس الثوري الذي تقع عليه مهمة أدارة ملف الفصائل العراقية.

وبما أن الرئيس الجديد إبراهيم رئيسي مقرب من الحرس الثوري وهم يثقون به، فمن واجبه الالتفات إلى ظاهرة تعاظم قوة الفصائل المسلحة وزيادة عددها إلى الحد الذي يصعب معها اتخاذ قرارات حكومية مهمة، وهذا يؤثر بدوره على سمعة الفصائل التي كانت تحتفل طوال السنين الماضية بحمايتها لكيان الدولة العراقية، بينما تقف اليوم سدًا منيعًا ضدها.

ثانيًا: الصراع مع أميركا داخل العراق، من الصعب الحديث عن تقنين دور الفصائل المسلحة بدون الحديث عن الصراع الأميركي الإيراني في العراق، لأن بلاد الرافدين هي الساحة الأوسع للصراع بين الطرفين.

والرئيس الإيراني الجديد لا يمكنه وقف هذا الصراع أو تقليله إلا إذا تحققت العودة الفعلية للإتفاق النووي مع القوى الكبرى ورفع العقوبات الأميركية ضد إيران، وقد تعهد إبراهيم رئيس باستمرار العمل على إبرام الاتفاق النووي، ومع العودة للاتفاق يمكن تخفيف حدة التوتر بين الطرفين وتقليل الاستعراضات الإيرانية المباشرة وغير المباشرة التي كانت تؤثر على الوضع العام في العراق.

لكن هذا لا يعني أن ايران وحلفائها سيسمحون بعلاقات متينة بين العراق والولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يريده العراق الذي اتعبه الوقوف بين طرفي الصراع بدون تحقيق فائدة فعلية ملموسة.

ثالثًا: العلاقة مع السعودية ودول الخليج، إذا ما تحسنت علاقات إيران مع السعودية والخليج فمن شان ذلك أن يرفع الكثير من الضغوطات عن العراقيين، لأن طهران التي تملك عددًا كبيرًا من الحلفاء في بغداد ستتوقف عن عرقلة المشاريع المشتركة بين العراق والخليج.

لكن ما يترتب على الخليجيين أن يقدموا هم مبادرات حقيقية بعيدة عن الصراع مع إيران ونظرية المغالبة في العراق، فإذا ما تمت المصالحة بين إيران والخليج بحسب المؤشرات الموجودة من تصريحات متبادلة وإمكانية حل الازمة اليمنية والسورية والملف النووي، فالخليج يجب أن يقدم عروضًا حقيقية لمساعدة العراق في إعادة الإعمار بعيدًا عن مشاريعه السابقة التي كانت في اغلبها ذات طابع سياسي وجاءت ضمن حالة الصراع والمغالبة.

يأتي الرئيس الإيراني الجديد وبلاده تعاني من صعوبات اقتصادية هائلة، كما تعاني ضغطًا سياسيًا وشعبيًا واضحًا كشفته المشاركة المتدنية في الانتخابات، ومؤسسة القيادة التي يمثلها المرشد الأعلى اية الله السيد علي خامنئي تريد تغيير هذه الصورة.

كما أن الرئيس الجديد ورغم كونه ينتمي للتيار المتشدد، لكنه يريد تحقيق إنجازات على المستوى الخارجي والداخلي، ليثبت من خلالها أن التيار المتشدد هو الأفضل على عكس التيار الإصلاحي، وهو ما يجب على العراقيين فهمه، وطرح المشكلات العراقية وفق هذا المنظار مع تقديم رؤية مفيدة للطرفين، رؤية يربح فيها الجميع بعيدًا عن صراع المغالبة.

اضف تعليق