العراق يعتبر من البلدان الشابة نظرا لارتفاع نسبة الشباب فيه، الا ان هذه النسبة لم تكون عاملا مساعدا على مشاركتهم بالعملية السياسية الفتية التي انطلقت في البلاد منذ تغيير نظام الحكم بعد عام 2003، واقتصرت إدارة الملف السياسي على الكبار ممن قادوا حركات المقاومة في بلاد المهجر.

لقد أدركت شريحة الشباب أهمية مشاركتهم بصنع التغيير لذلك خرجت الآلاف في ثورة تشرين من عام 2019، احتجاجا على أساليب إدارة البلد وحالة التخبط والعشوائية السائدة بإدارة مؤسسات الدولة، مما أدى الى تراجعها وتدني مستواها الوظيفي، ونتج عن ذلك جيوش من العاطلين وملايين من الناقمين على الطبقة السياسية.

ربما مشاركة الشباب بعملية صنع القرار بوقتنا الحالي أكثر حاجة من أي وقت مضى، للمساهمة في صنع مستقبلهم ورسم مستقبل الأجيال القادمة، الأجيال التي نزلت للشارع، ضاقت بها السبل وعلمت ان بلدها مرهون من قبل نخبة حاكمة لا يربطها بهذا الوطن غير حفنة الملايين، وتسعى بشكل دائم للهيمنة عليها وحرمان الشعب منها.

فمن دواعي النهوض ببلد مثل العراق هو الاستفادة من ثروة الشباب بشتى المجالات، فلا يمكن ان يبقى الخزان الكبير المملوء بالطاقات المختلفة، راكدا دون الاستفادة منه بهذه الصورة، وعدم توظيفه بالاتجاه الذي يخدم البلد ومصالحه المتعددة.

ولن يتم ذلك الا بعد هدم الحواجز التي وضعت امام مشاركة الشباب في العملية السياسية، فهنالك الكثير من الحواجز تحول دون تحقيق المشاركة الفعالة ومن أهمها هو الفجوة الكبيرة وعدم ثقة الشباب بالنظام السياسي القائم في البلد، ولا توجد أي روابط بين الكتلتين، الى درجة لا يعرف من يتصدى للعمل السياسي، ماذا يريد الشباب واي وطن يرمون العيش فيه.

لذلك أصبح من الصعب على المواطن إذا أراد التعبير عن رأيه السياسي، وتحديد موقفه من الاحداث الجارية والتي تجري بصورة منتظمة، وفي اغلب الأحيان لا يريد ذلك، لأنه يرى أن العملية السياسية ومخرجاتها لا تصب في مصلحته، أو أنه لا يستفيد من المفردات السياسية المقدمة على طاولة المجاملات والتوافقات، مما أدى الى خلق انطباع بعدم أهمية المشاركة في الحياة السياسية، والأكثر عجبا من ذلك هو التهجم الدائم عليها والحديث عن إسقاطها.

فالمستفيد الوحيد من هذا الانطباع هو عرابو السياسية في العراق، لأنه يضمن لهم البقاء في مناصبهم والاستفادة منها لأكبر فترة ممكنة، لذلك ان أي حركة شبابية واعية ينظرون اليها على انها مهدد حقيقي لعروشهم، وان مملكاتهم تحت وطئة الإرادة الشعبية التي ستقول قولها في يوما ما، وزمن ما.

ومن نتائج هذه الظروف ظهرت في السنوات الأخيرة ظاهرة الهجرة الشبابية الى الدول الاوربية، فلولا الأصوات المؤثرة في البلد، يكاد يخلو العراق من طاقاته الشابة، فهذه الهجرة هي بمثابة ردة الفعل المنطقية على ما يتعرض له الشباب من اقصاء وتهميش دائمين.

الشباب في العراق مهمشون في اغلب المجالات، وابسط الأدلة على ذلك انهم محرومين من دخول الأماكن العامة، ويقتصر دخولها على العوائل فقط، وهذا جزء بسيط من حالات التهميش التي يعاني منه الشباب في الوقت الحالي، وبالتأكيد هذه القيود تكوّن ترسبات بداخلهم وتجعل نظرتهم للأشياء سوداوية بعض الشيء.

وربما من أسباب عزوف الشباب عن المشاركة بالعمل السياسي هو انهم يرونها مجال لتحقيق الغايات الفردية، والكذب على الجماهير، في المقابل هم يدعون الى الإنصاف وعدم تغليب المصلحة الشخصية، فالأمور السياسية تدار وفق وجهات النظر وليس على أساس عمل سياسي ممنهج تحيطه الديمقراطية الشرعية، مما يؤدي ذلك الى وضعهم في خانة الجهات النفعية.

ولا يمكن ان نعلق جميع الأشياء على عاتق العوامل الي حرمت الشباب من الدخول الى مضمار العمل السياسي، بل يتحملون أيضا جزء من الإخفاقات وعدم المشاركة الفعلية، فهنالك حاجز آخر يعيق دخولهم بقوة قابلة للتغيير وهو افتقارهم الى الخبرات وجهلهم النسبي بخبايا العمل السياسي الذي يتطلب المزيد من تراكم التجارب الفردية والعمل الجماعي المنظم.

ويشكل الشباب العمود الفقري لنهضة الأمم، ويتطلب ذلك الاستثمار بهذه الشريحة المنتجة والاستفادة منها بأقصى الدرجات، لاسيما وان المجتمعات العربية بكم هائل من الطاقات الشبابية المؤهلة لقيادة مرافق الدولة الى جانب أصحاب الخبرة والباع الطويل في هذا المجال، فبهذه الخطوة تكون الحكومات ومن بينها العراقية قد انقذت الشباب من حالة الضياع.

إزاحة الخوف من نفوس الشباب ومشاركتهم بحزم في العملية السياسية يتطلب شروع الحكومة في معالجة ثقافة الإقصاء والتهميش والبيروقراطية، كما يجب إذابة التحديات التي تواجههم ليكنوا شريحة فعالة ومؤثرة في السياق المجتمعي والإطار السياسي، لبناء وطن الأجيال وجعله بيئة صالحة للعيش بدلا من التفكير بالهجرة.

اضف تعليق