أربعة أشهر هي المدة المتبقية من عمر البرلمان العراقي الحالي بعد ان حددت الحكومة العاشر من تشرين الأول المقبل موعدا لإجراء الانتخابات القادمة، ولو افتراضنا ثبوت هذا الموعد وتحققت إرادة الحكومة في جلب برلمان جديد وحكومة أخرى مهمتها تصحيح الخلل في الحاصل في السنوات الماضية بعمل البرلمانات السابقة والحكومات أيضا، فهذا لا يمنعنا من اجراء تقييم لعمل البرلمان الحالي.

في الكتابات السابقة تناولنا الحكومة ومهامها بشكل تفصيلي، وحددنا مواطن الضعف في الأداء الحكومي، ونقاط القوة مع شحتها، لكنها موجودة في بعض القرارات الشجاعة على الرغم من عدم تنفيذها او قصر مدة صلاحيتها، وهذا الخلل في التشريع ولا يتعلق بقصورها.

فاليوم اود الحديث عن السلطة التشريعية في البلد وهو البرلمان الذي ينظر اليه على انه الوسيط المحرك للعملية السياسية بأكملها، فهو من يراقب أداء الحكومة، ويشخص الإخفاقات التي وقعت بها، عبر استجواب وزراءها ومدراءها العامين، وهو مسؤول أيضا عن رسم سياسية البلد إزاء الاحداث الإقليمية والدولية.

وهذه الوظيفة غير مفعلة او مفعلة بشكل جزئي لا يتناسب والدور الكبير الذي منحه المشرع لسلطة البرلمان، فلا يزال البرلمان عاجزا عن محاسبة المقصرين في تأدية مهامهم، وما يسمى بعمليات الاستجواب، انا ويتفق معي الكثير نصفها بانها عبارة عن مسرحيات، مؤلفيها رؤساء الكتل السياسية، وممثليها الأشخاص الذين يُراد جلدهم امام أكثر من ثلاثمائة عضو.

وتبقى هذه شبه المحاكمة صورية خاضعة للتوافقات السياسية، وكلنا نعرف طريقة الاستجواب وما هو الهدف منها في اغلب الأحيان، فهي لا تخلو من أغراض فئوية، ومعارك مصلحية، يستطيع أي فرد من بسطاء الشعب العراقي ان يكتشف ذلك دون عناء.

فقد تستخدم هذه الأداء أي (الاستجواب)، الى وسيلة لوي الاذرع بين الكتل السياسية، ولا يكون المغزى الحقيقي منها سوى تسوية بعض الملفات العالقة والمهمة الخاصة بالشأن الداخلي، منها مسألة استجواب وزير الدفاع الأسبق، ووزيرة الصحة ومحافظ البنك المركزي الذي دخل مبنى البرلمان ولم يدخل لقاعة الاجتماعات الأخيرة بسبب تلويحه بكشف المستور وإزالة الضباب عن الكثير من الملفات التي يشترك فيها أحزاب عديدة.

ولم تتمكن هذه المؤسسة التشريعية الخلاص من التجاذبات السياسية، فهي أيضا خضعت وبقوة الى سلطة الأحزاب، وتم حرف مسار عملها، بعيدا عن مهمتها الأساسية وهي تشريع القوانين والتصويت عليها بما يخدم المواطنين والمصلحة العامة، الى جانب التصويت على المعاهدات الدولية التي تخدم العراق.

اذ نجد جهات استخدمت سلطة البرلمان للترويج والدعاية السياسية، والمزايدة والتلاعب بمصير الشعب عبر الملفات التي تهم حياة المواطنين، كملف الكهرباء، وقانون الرعاية الاجتماعية وغيرها من القوانين التي تهم شريحة واسعة من أبناء الشعب العراقي، وبالنتيجة تكون قد ضمنت تأييد شعبي لها في الانتخابات.

وفي بعض الأحيان تلاحظ البرلمان يمارس مهام ويتخذ قرارات متجاوزا صلاحياته، ودليلي على ذلك هو اجتماعه بغياب الكتل الكردستانية والعرب السنة، من اجل التصويت على اخراج القوات الأجنبية بعد مقتل نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس وقائد فيلق القدس بالحرس الثوري قاسم سليماني.

وهذا التوظيف يعتبر من الأخطاء الجسيمة التي وقعت بها السلطة الشريعة في البلد، كونها سمحت لنفسها ان تكون موضع شك واتهام من قبل الفرقاء السياسيين، بل جعلت باحة البرلمان ساحة للصراعات السياسية اللامنتهية، الى جانب اقحام المصالح والولاءات الخارجية بهذه المنازعات والتوترات الدولية.

ومن بين المآخذ على عمل البرلمان العراقي، هو عدم الشعور باحتياجات الشارع العراقي، وما توفره البيئة البرلمانية من حاضنة صحيحة للكثير من المشروعات التي تضبط إيقاع العلاقة بين الشعب من ناحية والجهات الحاكمة والمسؤولة من ناحية أخرى.

مجلس النواب العراقي على اختلاف البرلمانات الأخرى يمكن ان نصفه بالمقبرة السياسية، فكثيرا من السياسيين كان لهم مجد وعز سياسي اختفى بريقهم بمجرد الانضمام الى المجموعة، وأصبحوا بمعزل عن العواصف السياسية والاقتصادية التي تهب على البلد، عاجزين عن تغيير الواقع بظل الهيمنة الحزبية والطائفية على صنع القرار بشقيه الداخلي والخارجي.

اضف تعليق