منذ أنْ تحوّلت مفردة الاعتدال والتطرّف الى كلمة مشحونة بالعواطف، لا الحقائق، تلاشت التعريفات الدقيقة التي تصف الغلواء، سواء على مستوى التنظير والاعتقاد، او في السلوك العملياتي اليومي. لم يكن ميكافيلي مخطئا، بل واقعي جدا في تفسير السلوك السياسي، حين برّر للقادة، والزعماء، امتلاك أدوات البراغماتية وممارسة فن الممكن، بلا مثاليات أخلاقية، من أجل انتاج بيئة اعتدال عظيمة، فيما لو فهم الآخرون الظروف التي تحتّم على نظام او زعيم، محاكاة نهج ما.

الموقف من حدث، أو فكرة، لن يكون مستفزا أبدا، إذا ما أمسك بالحدود الأخلاقية في اختيار الوسائل لتحقيق غاية سياسية، وهذا هو الاعتدال بعينه.

والتطرّف هو تورط أخلاقي في اختيار شتى الوسائل للتصدي للآخر، حتى ولو أدى الأمر الى تصفيته.

ينعكس ذلك بشكل واضح، في الدول التي تُمارس فيها السياسة، باعتبارها الفرصة للاستحواذ وتحقيق الغايات مهما كلف الامر.

وفي العراق ظهر ذلك جليا، ابان حرب طائفية مدمرة في الأعوام (2006-2008)، حين انجرّت حتى النخب السياسية والإعلامية والثقافية والدينية الى التطرف المذهبي، الذي اجّجته المنصات المشحونة أيديولوجيًا، والجماعات العنيفة.

لا تزال تُرصد بين الفينة والأخرى، كراهيات اجتماعية ومناطقية، سببها الأساس، المواقف المتطرفة في تفسير مفهوم الآخر الذي تحوّل الى مجرد خصم، وعدو، لا شريك.

يستجلي تاريخ المواقف في العالم، محاولات إيجاد طريق وسط بين الغلو الأيديولوجي، من جو جوست (الطريق الوسط) في القرن التاسع عشر، الى الحرب الشرسة بين الرأسمالية والاشتراكية، وقبل ذلك الحروب الدينية، ولاحقا، الشعبوية والراديكاليات الدينية، والقومية.

وكلما كان الخطاب أكثر دقة، قلّص المساحات بين النقيضين، وعرّى نقاط الضعف في التعصب باتجاه تبني وجهات النظر الوسطية.

يقول مراد سومر، الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية بجامعة كوتش بإسطنبول، كمثال قريب من العراق، ان الحالة الديمقراطية التركية منذ عشرينيات القرن الماضي وبحسب البيانات عن قيم النخبة، تقدم تفسيرا مهما لاعتدال السياسة الدينية والعلمانية والتحول الديمقراطي بشكل أفضل.

ويعتقد سومر انّ الاعتدال يعزز مركز الدولة، إذا ما تبنّته السلطة الديمقراطية في تعاملها مع ردود أفعال الخصوم السياسيين وهو ما يسمح لها بإعادة إنتاج الكثير من المشكلات، الى فرص نجاح.

ويعتبر سومر انّ الاعتدال في تركيا هو تجاوبي بين الفاعلين الدينيين والعلمانيين، وقد نجحت الدمقرطة التركية على أيدي العلمانيين والإسلاميين المعتدلين خلال التسعينيات، وقد ولّدت شبه ديمقراطية في أول الأمر، قبل إضفاء الطابع المؤسسي. يحتاج العراق الى رسم منطقة اعتدال، غير ضبابية، لان غموض ملامحها سيؤدي الى حرب شرسة حتى على المواقف والأفكار، على طريق مجتمع تشاركي ترعاه الدولة بعيدا عن التحيّز السياسي.

لا شك في انّ المجتمع العراقي، يتكرّس فيه التطرف في التعاملات اليومية، مثل التحيز العنصري وحتى التحرش الجنسي، مؤسساً لإطار اجتماعي في المعاملة القاسية، بتأثير من الغلواء السياسية والدينية، التي تقلص المنطقة الرمادية للاعتدال.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق