(القط) بفتح القاف من بين عشرات المصطلحات الشائعة التي أفرزها واقعنا الراهن، ففي كل مقطع زمني من الأزمنة المرة التي مررنا بها يُكيف الناس مفردات عامية وفصيحة لتعبر بسخرية عن مشكلاتهم، ولا أظنكم نسيتم مصطلح (البوري) الذي شاع استخدامه في منتصف التسعينات من القرن الماضي بعد موافقة العراق على مذكرة النفط مقابل الغذاء والدواء التي شكلت صدمة مالية محلية، فخسر فيها من خسر وربح من ربح، ومنهم من فقد حياته بسببها، وبالرغم من سوقية سياق المصطلح غير المتوافق مع قيمنا، لكنه شاع حتى امتد استخدامه لمجالات أخرى ومازال.

و(قَط) كلمة فصيحة تعني قطع ونحت، ويبدو ان استخدامها الشعبي يرجع الى الكلمة العامية (المقطاطة) التي يستخدمها الطلبة لبري أقلام الرصاص (المِبراة)، وهي تعبر مجازيا عن الاستغلال المالي المباشر الذي يتعرض له المواطنون من ضعاف النفوس، حتى تولدت قناعة لدى الجميع تكاد تكون مطلقة بندرة مرور يوم دون أن (يُقطون).

وأظن ان الحلقة التي بثتها قناة الشرقية في شهر رمضان من مسلسل (كما مات وطن) بعنوان (انفصام مجتمعي)، وعكست من خلالها واقعا اجتماعيا مريضا، خير مثال على ذلك، فالكل يعمل على هواه وبالطريقة التي تناسبه، بعد اهتزاز المنظومة القيمية جراء الحوادث الزلزالية التي مرت بها البلاد خلال ما مضى من عقود، فضلا عن التراجع المريع لسيادة القانون، واللامبالاة في تطبيقه بما يحمي المجتمع من ظواهر كارثية يُحتمل استيطانها في الجسد العراقي ويصعب معالجتها.

غدت ظاهرة (القط) جلية، ولم يستح منها (القطاطون)، ولا يعيرون اهتماما لانتقادات مباشرة توجه لهم، فالأعذار الكاذبة شتى، ولم يبق (للمقطوطين) من العاطلين وجماعة الرعاية الاجتماعية والذين يجمعون قوتهم من المزابل من سبيل سوى التذمر والرضوخ للأمر الواقع. فلا تستغرب مثلا: اختلاف أسعار الدواء من صيدلية لأخرى في المكان نفسه او في أمكنة مختلفة، وتتساءل مع نفسك كيف يحدث هذا لصيدلاني أنفقت الدولة أموالا طائلة لتأهيله انسانيا لممارسة هذه المهنة، واختتم التأهيل بقسم عظيم.

بات بعض الصيدلانيين لا يتواجدون في صيدلياتهم، وينوب عنهم أشخاص غير مختصين، يتعلمون أسماء الأدوية وأسعارها ويضيفون اليها (بقط) المرضى لتضخيم اجورهم.

لم يعد (القط) مقتصرا على البشر، بل امتد الى أشياء اخرى، فأصحاب المحال استحوذوا على الرصيف بالمطلق، وامتد الاستحواذ الى ربع عرض الشارع، حارمين السابلة من السير بطريقة مريحة وآمنة، وتمادوا الى عدم السماح لأصحاب المركبات بركن مركباتهم قبالة محالهم، فوضعوا كل ما يعرقل وقوفهم، مع ان بعضهم بحاجة لدقائق لشراء سلعة، ولا يستدعي ذلك ايداع سيارتهم في مرآب، المتوثب صاحبه (لقطهم) بثلاثة آلاف دينار وتصل الى خمسة آلاف دينار في بعض المناطق حتى وان كان وجودهم فيه لا يستغرق سوى دقائق معدودة، كل ذلك يحدث على مرأى ومسمع الأجهزة الأمنية التي تطارد سائقي المركبات دون محاسبة أصحاب المحال على استحواذهم لأماكن يفترض انها عامة .

مظاهر (القط) عزيزي القارىء عديدة، وانت تعرفها جيدا، ومثلك أتعرض (للقط) يوميا، ولا أقدم جديدا بالحديث عنها، ولكني أريد القول: ان تزايد الأحقاد واتساع الروح العدوانية بين أفراد المجتمع ليست بالضرورة حصيلة أحداث كبرى يمر بها المجتمع فحسب، بل قد تكون نتيجة تراكم حالات القهر الشديدة والعجز عن الرد حيال استغلال متفشي، ويتساءل الجميع عن الدور الرقابي لأجهزة الدولة، وكذلك النقابات المهنية، فواجباتها لا تقتصر على الدفاع عن المنتمين لها، بل ومحاسبتهم على الأفعال المشينة، ان سكوتها يعني مشاركتها في تدمير المجتمع، او لا تملك الشجاعة الكافية على محاسبتهم لارتباط بعضهم بجهات متنفذة، فالذي لا يمتلك الشجاعة لا يستحق موقع القيادة، والاستعداد للتضحية أحد شروطه، ويشمل القول الهرم كله من قمته الى قاعدته.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق