من مسببات الصداع، إضافة الى قلة النوم او بعض أنواع الأغذية، او بعض انواع الادوية مثل (فياغرا)، هي وسائل الاعلام العربية من صحافة ورقية والكترونية وقنوات تلفزيونية، ينضاف اليها في السنوات الأخيرة وسائل التنافر (التواصل) الاجتماعي، من فيس بوك الى تويتر الى واتساب وانستغرام وغيرها مما لا تحضرني اسماؤها.

ومصدر هذا الصداع الذي تسببه تلك الوسائل، هو حجم الأكاذيب والاختلافات والافتراءات والضجيج الذي تفتعله عند كل حدث، دون النظر الى عمقه والاكتفاء بما يطفو على السطح في راهنيته الشديدة السطوع. لكنه السطوع الذي يعمي البصر، كما في لحظة الخروج من مكان مظلم الى نور الشمس الباهر.

كل وسيلة من تلك الوسائل، من خلال القائمين عليها او المشاركين فيها، تنظر الى الحدث بعين عوراء، وأحيانا باعين مغمضة، وهي تحاول ان تري الاخرين ابعاد الحدث الذي تنقله وتغطيه.

وهي دائما تنحاز الى ما يفترض انهم اصدقاؤها ضد ما يفترض انهم اعداؤها، وكثيرا ما تتغير الصورة ويتبادل الاثنان المواقع، فلا أصدقاء او أعداء دائمين، فقط مصالح دائمة.

سأتحدث عن بعض الأمثلة، من خلال عدد من العناوين الفرعية.

مرحى.. ويكليكس فضحنا

لولا فضيحتك انت شخصيا لكانت حياة جارك مملة. فانت متعته التي لاتنتهي. انيس منصور

بعد العام 2003 انتشرت على نطاق واسع وثائق الرشاوى التي كان يقدمها صدام حسين للعديد من الشخصيات والفاعليات العربية والأجنبية، والتي عرفت وقتها ب (كوبونات النفط)، وصالت وجالت وسائل الاعلام في تناقل تلك الوثائق والحديث عنها، كفضيحة من الفضائح لدى بعض، او اعتبارها امرا طبيعيا في معركة العراق ضد الحصار وتلميع صورته.

لم يحدث ان استقال مسؤول أجنبي او عربي من منصبه بعد نشر اسمه، مستفيدا من القسائم النفطية، بل منهم من صعد السلم عاليا وأصبح يشار له بالبنان.

الحدث الأخير المتعلق بوثائق ويكليكس السعودية، ومئات الالاف من الصفحات، وقسم منها يتعلق بشخصيات عراقية، ورغم الضجة المفتعلة حولها فأنها لم تقل مسؤولا، او تجعله يقدم استقالته، واضعف الايمان تقديم اعتذاره لمن يمثلهم، او للضحايا الذين تسبب بقتلهم نتيجة ما قبضه من أموال اشارت لها الوثائق. ولم تتجرأ جهة حتى الان على تقديم أي شخصية متهمة من خلال الوثائق الى محاكمة عادلة نزيهة.

ولم تستطع تلك الوثائق على الجانب السعودي ان تحدث هزة في اركان النظام، او تقيم ثورة شعبية ضد الملك او امراء العائلة الحاكمة. لا شيء من هذا حدث او يحدث ولن يحدث.

لذا كبّر مخك حتى لا تصاب بالصداع.

داعش صناعة إيرانية –سورية

وهذا مثل اخر، لمصادر الصداع المستمر والذي لا يفارقنا، فوسائل الاعلام العربية ذات التوجهات الاميرية والملكية، واموالها التي تغدقها على وسائل الاعلام والعاملين فيها من مرتزقة الكثير من الدول، وفي محاولة لأبعاد شبهة ظهور داعش من رحم الثقافة الإسلامية البدوية المتمثلة بالوهابية والسلفية الناشئة على أطرافها، تعيد أصل التكوين والنشأة الى عدو طائفي بشقه الشيعي – العلوي، الممثلان بإيران وسوريا، ويفرح الكثيرون من العرب بأصل تلك النشأة المختلقة، فالصديق واضح والعدو اكثر وضوحا. وتتعالى الصيحات: تكبير، تكبير، تكبير.

وعلى حد تعبير أحدهم: (هم يفرحون حين يتم خداعهم أن داعش صناعة إسرائيلية، بينما يغفلون عن التاريخ الإسلامي الذي صنع أفعال وسلوك وثقافة داعش).

لذا كبّر مخك حتى لا تصاب بالصداع.

الحشد الشعبي. ميليشيا شيعية أخطر من داعش

مشكلة العقل العربي، انه كثيرا ما تمسك بالنتائج التي جاءت كمحصلة طبيعية لجملة من الأسباب، ويبدي استغرابه لتحول هذه النتائج الى ظواهر اجتماعية او سياسية او ثقافية، لتكون معالجاته لها لاتقدم او تؤخر بل كثيرا ماتزيد في استفحال تلك النتائج، لانه لم يذهب مباشرة الى الاسباب الحقيقة الكامنة خلفها، خوفا من الاقتراب منها وهروبا الى الامام او دفنا للرؤوس في الرمال.

الحشد الشعبي مثل اخر لهذا الضجيج الذي يقض مضاجعنا، حين تنسى الأسباب الكامنة خلف ظهوره، وانه ردة فعل طبيعية لصراع وجود فرضه داعش على الشيعة، وان المحاصر حين تضيق به السبل ولايجد مخرجا لهذا الحصار الا ان يكشر عن انيابه.

ولا يكتفي العقل العربي والإسلاموي بالنِشأة والتكوين، بل يذهب الى حد مساواة القاتل بالمقتول والجلاد بالضحية، من خلال مقارنة الجزء الضئيل (اساءات – انتهاكات) قد يقوم بها بعض الافراد المحسوبين على الحشد، وهي اكثرها إعلامية لا يمكن التأكد من صحتها، كما تعلق على ذلك الكثير من الوكالات العالمية الرصينة. وهذا الجزء يقارن بالكل الوفير الذي تقوم به داعش وتتبناه عبر منصاتها الإعلامية المتعددة.

ومنهم من ذهب بعيدا، في هلوسة التنسيب والتصنيف لكل الكوارث التي تمر بها مجتمعاتنا، حين صرح دون خجل او حياء بان أوباما شيعي، ولا نستغرب مستقبلا اذا سمعنا تصريحا صادرا من هذا العقل، ان ملكة بريطانيا اصلها شيعي اثني عشري من اجدادها لامها، او ربما زيدية من ناحية اجدادها لأبيها، فكل شيء جائز.

لذا كبّر مخك حتى لا تصاب بالصداع.

الطير وقع في المصيدة، أو القط اكل دجاجنا. بحاجة الى تحليل

توفر الاحداث الكثيرة التي تقع في المعمورة مادة خصبة للتغطيات الإعلامية بمختلف اشكالها والوانها، منها ما يكون حدثا هامشيا يأخذ الصدارة في تلك التغطيات، ومنها مايكون مركزيا لكنه يمر مرور الكرام على المتابعين لتلك الوسائل.

انها وظيفة الاعلام، صناعة الحدث وتسويقه، وليس ما تعارفنا عليه متابعة الحدث وتحليله.

توفر الكثير من الاحداث الهامشية مجالا لارتفاع مؤشرات المتابعة، عبر التركيز عليها من خلال ما يطلق عليهم المحللين والباحثين الاستراتيجيين والذين يتحدثون في كل امر من الأمور بإحاطة تامة ودراية كاملة، متنقلين عبر التواريخ والجغرافيا والمصطلحات.

حدث مثل وقوع طير في شباك صياد يحتاج الى جلسة حوارية ونقاش مستفيض للإجابة على أسئلة من قبيل من نصب تلك الشباك؟ وهل كان الصياد يروم قتله او بيعه او تهريبه؟ وهل ان هذا الطائر مصاب بأنفلونزا الطيور وهناك مؤامرة لنشر المرض بين طيور دولتنا الوطنية؟

او حدث مثل ان يأكل القط دجاجنا الذي نربيه، وكنا نطعم هذا القط ونحرص على راحته، لكنه في غفلة منا انقض على هذه الدجاجات وجعلها وجبة لطعامه. إذا يجب عقد جلسة حوارية للبحث في أسباب هذا السلوك العدواني لقط منزلنا ضد دجاج منزلنا، والاجابة عن أسئلة من قبيل: هل كان القط جائعا ونهرناه عن الاقتراب من فضلات طعامنا؟ وهل كان الدجاج قد تناول مادة مخدرة ولم يستطع الدفاع عن نفسه؟ ومن أعطاه تلك المادة؟ وهل ان العدوانية في القطط تشبه العدوانية في الانسان؟ وهلم جرا وجرا.

لذا كبّر مخك ليمتلئ بالمعرفة التي لا يمكن تحصيلها من خلال اعلامنا العربي بجميع اشكاله والوانه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0