تتأمل النظرية السياسية منذ بزوغ فجرها شكل الدولة وطبيعتها. وكانت تهتم بشرعية السلطة التي عادة ما تكون مقيدة بأشكال القواعد داخل الأنظمة. خضع مفهوم الدولة لتجارب قاسية من خلال أنظمة حكم تديرها أعراف وقواعد جردت المفهوم تحت ظل الحرية وأوصلته إلى نقطة يصعب التعرف عليها وتقديمها على أنها ضرورة مقبولة ومفهومة.

في العراق يمر مفهوم الدولة في منعطفات خطيرة، بسبب الجدل الدائر وعدم حسم العديد من المواقف من بينها شرعية وعمل المجموعات المسلحة، وخصوصًا تلك التي تشكلت نتيجة لظروف معينة وأصبحت فاعل رئيسي ومسؤولة عن تشكيل النظام الأمني والاجتماعي. تنقسم الآراء حول شرعية ووجود الفصائل سواء كانت تابعة لهيئة الحشد الشعبي أم غير ذلك إلى أكثر من رأي:

الأول، المؤيدون: أن هذه الفصائل تعمل ضمن القانون وبمثابة قوة تقف في وجه التدخلات الخارجية وحماية الداخل العراقي، وأنها ساهمت بالتحرير بعد أن سيطر داعش على مناطق شاسعة من العراق وبالتالي أثبتت وطنيتها، وأصبحت جزءا من الواقع.

ومع الوقت، أصبحت الفصائل قوة مؤثرة ولاعباً أساسياً في النظام الأمني، ولها ثقلا في اتخاذ القرارات، بل تمكنت في بعض الأحيان الخروج أكثر قوة وجرأة نتيجة ما واجهته من ضغوط دولية ومحلية، واستمرت في عملياتها وتعزيز وجودها.

الرؤية التي تتعلق بنظريات تستمد شرعيتها من عقيدة وتشريعات دينية، وتميل لتسمية نفسها بـ "المقاومة الإسلامية"، ويرجع ظهور قسم منها إلى مرحلة ما بعد عام 2003 والفوضى التي رافقت التغيير وظهور التنظيمات الإرهابية، ولاحقًا أصبحت قوة تستمر في تقوية أجنحتها العسكري وهي القوة التي تم استخدامها كعامل ردع.

أصبحت لاحقاً وبحكم الواقع معنية بتأسيس نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي، سواء كان ذلك من خلال الحكومة أو عن طريق إنشاء نظام بديل أو موازٍ.

الرأي الثاني، المعارضون: يرى أصحاب هذه الرؤية من الواجب تفكيك "فصائل الحشد" والفصائل غير المنضوية تحت الهيئة، لأسباب يقال عنها أنها "قوضت السيادة الوطنية"، ويكتفي أصحابها بالمؤسسات التقليدية (الدفاع والداخلية) وشرعيتهما من عراقة وتاريخ التشكيل، وأنها جزء من نظام عسكري وأمني دولي وفق القواعد المعمول بها عالميًا، وبالتالي فان أي قوة عسكرية تتشكل نتيجة لظروف طارئة يجب أن تنتهي من انتهاء تلك الظروف.

مؤخراً جرت مواجهات وخلافات معقدة واعتقالات بين صفوف قيادات هيئة الحشد الشعبي وأفرادها، وقد يعود ذلك إلى أسباب جذرية وعميقة تنبع بالدرجة الأولى من الصراع بين العقيدتين العسكريتين. لكن برغم الدوافع والأسباب فان ذلك شكل منعطفاً جديداً وكشف عن تلك الخلافات التي قد تستمر.

الحالة العراقية تستوجب فهم مشترك للدروس واتباع أفضل الممارسات حول كيفية الحد من الصراع والخلافات.

بشكل عام إن الموضوع يمس سيادة الدولة التي يجب أن تحترم، فإن الأمر حساس للغاية فالصراع لن ينتهي ما لم تمنح الحكومة إرشادات علنية بالعمل السياسي والعسكري مع أي تشكيل عسكري.

هذه الديناميكية تخلق فرصة لمعالجة أوجه القصور في هيكلة الدولة بشكل تدريجي، بدلاً من محاكاة دول أخرى في معاملة معظم فروع الحشد الشعبي، واعتماد نهج عملي بعيداً عن بؤرة الصراع يركز على استعادة قدرات مؤسسات الدولة.

أصبح من اللازم تبني الموقف الحكيم والواقعي والصبور من خلال إصلاح قطاع الأمن ومنع الانتهاكات المتكررة للسيادة العراقية. اذ يمكن أن تتبع الحكومة دبلوماسية الباب الخلفي مع الممثلين السياسيين لتلك للفصائل كجهات فاعلة محايدة نسبياً تريد تجنب المزيد من التصعيد.

اذ يتطلب من الحكومة محاولات الدمج العسكري والأمني بشكل متفق عليه تماماً، من خلال المشاورات والإصرار على القدرة والتحدث إلى أي جماعة فاعلة تنشد السلام ومعالجة النزاع. بل يمكن أن يصل الأمر إلى توفير شرعية وغطاء للمساعدة في التغلب على أي مقاومة للتفاوض والخطوات الجادة.

وان كان هذا يعتبر إشكالية أكبر في حال اشتكت جماعات أو دول بشأن تعامل الحكومة العراقية مع الفصائل، لكن بنفس الوقت لا يمكن التراجع عن الالتزام بالمبادئ العامة للحوار والفهم المشترك.

مع تعدد الجماعات العسكرية غير التقليدية يجب دراسة الحالة والتعامل وفقاً للخلفيات التاريخية والدعم الاجتماعي، التي بعضها يخدم الحكومة المركزية بينما يعارضها آخرون أو يحاولون الالتفاف عليها. بل يتطلب مناقشة أصل وتطور هذه الجماعات التي تصنف بنوعين، الأول: جماعات دائمة وغير دائمة، وثانياً: جماعات سياسية أيديولوجية وجماعات اقتصادية.

العالم ينظر إلى العراق باعتباره طرفاً مهماً في تعزيز الأمن الإقليمي ومنع التوترات الجيوسياسية من الخروج عن السيطرة. علاوة على ذلك، وبالنظر إلى الجهود المؤلمة للإنقاذ، بات من الواجب إيجاد خطة عمل شاملة مشتركة وتمهيد الطريق لنمط أكثر إيجابية من التعامل، وأن تصبح البلاد دولة محايدة.

* كاتب صحفي وباحث عراقي متخصص بالشأن الأمني

اضف تعليق