مع أنها ليست المرة الأولى ولا الثانية، ولا الأخيرة بالطبع، التي تشن فيها إسرائيل غارات وحشية على قطاع غزة لتدمير بنى تحتية، متداعية أصلاً، وقتل مواطنين أبرياء، دون أي مسوغات أو ذرائع يمكن استخدامها كأوراق توت تستر فلسفة العدوان المتحكمة بالعقلية السياسية العنصرية الصهيونية، غير أن هذه الموجة الجديدة من القصف البربري الغاشم الذي قتل وجرح العشرات من الفلسطينيين، تفتتح، فيما يبدو، فصلاً جديداً في مشهد الظروف الداخلية والإقليمية والدولية البالغة الدقة التي تحمل في طياتها ملامح الخريطة السياسية المقبلة للمنطقة. ومن السهل على أي متابع للتصريحات والتهديدات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين أن يتوقع مثل هذا التصعيد الإسرائيلي ضد قطاع غزة لعدة أسباب لعل من أهمها:

لقد جاء التصعيد العدواني الإسرائيلي على قطاع غزة بعد أشهر طويلة من التسخين السياسي لحكومة نتنياهو ولجنرالات الحرب في إسرائيل وعلى رأسهم وزير الدفاع (بيني غيتس) الذي أعلن أكثر من مرة عن نية إسرائيل القيام بعملية عسكرية جديدة ضد قطاع غزة بهدف اختبار الموقف العربي وردود فعله المتوقعة أولاً، وتقليم أظافر فصائل المقاومة ثانياً، واختبار منظومة القبة الحديدة الإسرائيلية المصممة لاعتراض صواريخ المقاومة الفلسطينية ثالثاً، وإحداث تغيير وخلط في أوراق اللعبة السياسية مع الفلسطينيين على ضوء انسداد أفق التسوية رابعاً، حيث تحاول حكومة نتنياهو صرف الأنظار عن تحميلها مسؤولية انغلاق الأفق السياسي ووقف مفاوضات التسوية وفشل كل اللقاءات والمفاوضات، لذلك فإن حكومة نتنياهو تحاول بهذا التصعيد خلط الأوراق في محاولة لصرف أنظار العالم عن المشكلة الرئيسية التي تتحمل مسؤولياتها.

وفي الأسباب الإضافية المخفية للعدوان الإسرائيلي فإن حكومة نتنياهو أرادت من هذا التصعيد العنفي الدموي إحباط أي جهود لتنفيذ المصالحة الوطنية الفلسطينية واستحقاقاتها ومحاولة عملية لقطع الطريق على الخيارات الوطنية الفلسطينية، وسعي كل منهما لتجاوز ملف الانقسام وطي صفحته السوداء، وحينما يخوض نتنياهو حربه الخامسة في غزة، فلأنه يدرك أنها فرصته الأخيرة لاستعادة الجماهير له، ويرغب في الانتصار لكي يقنع شعبه بأنه استطاع ترويض غزة، ونتنياهو يريد من الحرب على غزة الالتفاف حول ملف فساده، والهروب من شبح المحاكمة. وانطلاقاً من ذلك، فالتصعيد الإسرائيلي ضد قطاع غزة، وبقوة النار والبارود وبالغارات الجوية المتتالية، لم يأت دون مقدمات أو دون تحضيرات إسرائيلية مسبقة.

إن التصعيد الإسرائيلي متواصل حتى ساعة كتابة هذه السطور، لتحقيق الأغراض الأربعة المشار إليها أعلاه، بينما باتت الجهود الحثيثة الرامية لوقف التصعيد دون نتيجة حتى الآن على ضوء غزارة الدم الفلسطيني النازف، ووحشية الاحتلال، التي لم توفر المدنيين من الأطفال والنساء وكبار السن. وبالطبع، فإن عمليات القصف الصاروخي الفلسطيني تأتي في سياق الرد المنطقي على جرائم الاحتلال وعلى قصف سلاحه الجوي لمناطق مختلفة في قطاع غزة بما فيها مناطق ذات اكتظاظ سكاني مدني في قلب الأحياء، والتي أدت حتى كتابة هذه السطور حسب مصادر صحية فلسطينية، إلى استشهاد 212 شهيدا، و1400 جريحا، وبين القتلى 61 طفلاً و36 سيدة و16 مسناً، بالإضافة إلى إصابة 1400 مواطن بجراح مختلفة منهم 400 طفل و270 سيدة.

أما مواقف واشنطن، فليست محيّرة كما يعتقد البعض، بل هي منحازة، وفاقعة في انحيازها، وتشكل غطاء سياسياً واسعاً للسياسات ''الإسرائيلية''. فبايدن لم يدن اعتداء جنود الاحتلال على رحاب المسجد الأقصى، ومصلاه الجنوبي والشمالي، واعتداءاته على المصلين بالرصاص وقنابل الغاز ما أدى إلى استشهاد وجرح مئات الفلسطينيين العزل، والاعتداء بالضرب على سكان الشيخ جراح لطردهم من بيوتهم، هذا الانحياز الأمريكي واضح وهو مناف للمنطق الأخلاقي والإنساني والسياسي والقانوني بمناصرة ودعم إسرائيل. وبذا فإن لغة ومفردات مناشدتها للتدخل أمر غير مفهوم، ولم يعد ينطلي على أحد، فقد حصل نتنياهو على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة للاستمرار في نهجه الدموي ضد الفلسطينيين، وفي مواقفه التي أدخلت عملية التسوية إلى النفق المسدود.

في هذا المناخ تموج في غزة النار، وفيه تموج ساحات جماهيرية عربية بالغضب والاحتجاج، منادية بموقف وتدخل ومناصرة وحتى بوقف للعدوان على غزة! وفي هذا المناخ أيضا يستمر تأييد الغرب الإمبريالي للعدوان الإسرائيلي على غزة ويتنامى، مرسخاً توجهات وسياسات وشروراً وفجوراً تبديه قيادات أمريكية وفرنسية وبريطانية على الخصوص، حيث تصف عدوان إسرائيل العنصري دائماً، وعلى غزة حالياً، المحاصرة منذ سنوات عدة بأنه ''دفاع عن النفس''!؟

تلك مهزلة غربية قديمة يقف منها العالم متفرجاً أو مشلول الإرادة. وإزاء هذا القدر المتيقن، وبين قوى ملَّكت ما لا تملك لمن لا يملك ولا يستحق، وقوى استلمت المهمة وبنت سياساتها واستراتيجياتها على شحذ خنجر الاحتلال الإسرائيلي، والعمل على أن يبقى غارزًا في خاصرة الوطن العربي، اكتفى مجلس الأمن بالإعراب عن "قلقه البالغ" إزاء تصاعد التوترات في غزة والقدس المحتلة، جراء الانتهاكات الإسرائيلية غير المسبوقة بحق المسجد الأقصى والمرابطين به، داعياً "إلى ممارسة ضبط النفس، والامتناع عن الأعمال الاستفزازية والخطابة، والمحافظة ـ ودون تغيير ـ على الوضع التاريخي الراهن في الحرم الشريف ـ قولًا وممارسة"، ومطالبًا "بالاحترام الكامل للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي".

طبعاً لا أحد يستغرب من هذه اللغة الباهتة لمجلس الأمن، والجدير بالملاحظة، هو أنه في الوقت الذي يواصل فيه كيان الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته على مدينة القدس منذ بداية شهر رمضان، في 13 أبريل/ نيسان الماضي، وتقوم بها قوات الشرطة الإسرائيلية والمستوطنون، في منطقة "باب العامود" وحي "الشيخ جراح" والمسجد الأقصى ومحيطه... ورغم العنف والتهديدات والاستفزازات الإسرائيلية، إلاّ أنّ أمريكا جعلت مجلس الأمن الدولي يفشل الإثنين الماضي، في التوصل لاتفاق بشأن إصدار بيان يتيم حول الأوضاع الحالية بمدينة القدس المحتلة، بزعم أن ذلك "لن يساعد في تحسين الوضع الحالي في القدس". وموقف كهذا، هو في صلب المهمة نحو إيصال الاحتلال الإسرائيلي إلى أمتاره الأخيرة، سواء بتقسيم المسجد مكانيًّا وزمانيًّا، أو بتصفية القضية الفلسطينية.

وعليه، فالعدوان لن يتوقف وستتعدد وساطات التهدئة بالتوازي مع تصاعد مظاهره، وبالمقابل، فالمقاومة والصمود هما غزة دائماً وأبداً، أما موقف الجامعة العربية، فقد دبَّجت جامعة العرب إداناتها المتبعة في هكذا مناسبات، أي المشفوعة بكفى الله المؤمنين شر ما هو أكثر من الإدانة... وهروباً من هذا الأكثر، دعا وزراء الخارجية العرب، الثلاثاء الماضي في الاجتماع الوزاري الطارئ لجامعة الدول العربية، برئاسة قطر، الذي عقد افتراضيا لبحث التحرك لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية في مدينة القدس المحتلة !

إن الجهد العربي المطلوب في هذه اللحظات بالذات يجب أن يتجاوز بيانات الشجب والاستنكار، أو بيانات التنديد واستعطاف العالم وشعوبه، بل يجب أن يسير هذا الجهد المطلوب باتجاه التحرك الفعّال في أوساط المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات ملموسة بحق إسرائيل التي تشن حرب إبادة متواصلة على الشعب الفلسطيني دون حسيب أو رقيب، ودون مساءلة من المجتمع الدولي حتى باتت تعتبر نفسها دولة فوق القانون، تضرب عرض الحائط بكافة القرارات والقوانين الدولية، في ظل حالة الصمت الملازمة لسياسة المجتمع الدولي حيال الجرائم الإسرائيلية. إن الموقف العربي التقليدي لم يعد مقبولاً ولا بأي شكل من الأشكال، فالدماء التي تنزف منذ عقود طويلة لم تبلسمها بيانات الشجب ولم توقفها بيانات الاستنكار. كما أن إسرائيل مطمئنة مادام الموقف العربي على ما هو عليه دون حراك وتحرك ملموس.

خلاصة الكلام: إن الشعب الفلسطيني المثخن بالآلام والجراح، وهو يودع كل يوم دفعات من شهدائه الأبرار، لن تزيده جرائم الاحتلال إلا قوة وصلابة وتماسكاً، ولن تثنيه عن مواصلة كفاحه المستديم منذ عقود متتالية لنيل حقه بدحر الاحتلال ونيل الحرية والاستقلال وحق اللاجئين في العودة إلى أرض فلسطين طال الزمن أم قصر. إن الوفاء للدماء الزكية الطهورة التي نزفت ومازالت تنزف على أرض قطاع غزة، يكون بالعودة إلى إعادة بناء البيت الفلسطيني، وطي صفحة الانقسام السوداء إلى الأبد، وإعادة بناء كل الخيارات الفلسطينية الممكنة، وفي هذا المجال فإن كل القيادات الفلسطينية وخصوصاً قيادات حركتي حماس وفتح، وحركة الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية، والجبهة الشعبية ـ القيادة العامة، وغيرها من القوى والفصائل، تتحمل مسؤولية وطنية وأخلاقية للعمل على تجاوز ملف الانقسام وإغلاقه نهائياً. فكفى انقساماً وكفى تفتتاً. وكفى تشرذماً قاتلاً بينما العدو يستبيح كل شيء.

* كاتب صحافي من المغرب

اضف تعليق