الهوية في معناها المجرَّد هي جملة علامات وخصائص من أجناس مختلفة، تستقلُّ بها الذات عن الآخر، فبغياب هذه العلامات والخصائص تغيب الذات وتذوب في الآخر، وبحضورها تحضر.

أصبحت مجتمعات العالم المختلفة تعتمد أكثر فأكثر على بعضها البعض، في عملية معقدة تتضمن مجموعة متنوعة من الأبعاد الثقافية والسياسية والتكنولوجية والاقتصادية والبيئية تسمى العولمة. يتم تقديم البعد الاقتصادي والتكنولوجي للعولمة، والتي لها تأثير كبير على البعد الثقافي والهويات الفرعية.

يُستخدم مفهوم العولمة لوصف كل العمليات التي بها تكتسب العلاقات الاجتماعية نوعًا من عدم الفصل (سقوط الحدود)؛ حيث تجري الحياة في العالم كمكان واحد -قرية واحدة صغيرة- ومن ثم فالعلاقات الاجتماعية التي لا تحصى عددًا أصبحت أكثر اتصالاً وأكثر تنظيمًا على أساس تزايد سرعة ومعدل تفاعل البشر وتأثرهم ببعضهم البعض.

من الضروري أن يحصل التلاقح الفكري والعلمي والثقافي، ما بين شعوب الارض، بعد أن أصبح العالم عبارة عن قرية صغيرة، لكن بشرط الحفاظ على الهوية الوطنية والقومية والنمط السلوكي والفكري والثقافي لخصوصية الامة والهوية الثقافية على المستوى الفكري والعقيدة.

مجالات العولمة

للعولمة مجالات متعددة، اقتصادية وسياسية وثقافية وإعلامية وغيرها، فالاقتصادية: تظهر في عمق الاعتماد المتبادل بين الدول والاقتصاديات القومية وفي وحدة الأسواق المالية وفي عمق المبادلات التجارية في إطار لا حماية فيه ولا رقابة وأبرز شيء في ذلك إنشاء منظمة التجارة الدولية وهنا تثار مشكلة "أزمة الدولة القومية" ودور الدولة في العولمة الاقتصادية.

السياسية: تتجلى في سقوط الشمولية والسلطة والنزوع إلى الديمقراطية والتعددية السياسية، والمشكلة حول الديمقراطية أهي نظرية غربية خالصة أم لثقافات المجتمعات العالمية تأثير عليها؟، وهل هناك إجماع على احترام مواثيق حقوق الإنسان؟

والعولمة الثقافية تكمن في أن الثقافة العالمية قضاء على الهوية والخصوصية الثقافية.

والعولمة الإعلامية تدور حول البث التلفزيوني من خلال الأقمار الصناعية وحول شبكة الانترنت التي تربط البشر في كل أنحاء المعمورة.

كيف تؤثر العولمة على هويتنا؟

يمثل الإعلام أحد الركائز الأساسية التي قامت عليها العولمة، ويؤكد "فوكوياما" ذلك بقوله: إن العولمة تعتمد على ثلاثة أسس؛ هي:

تكنولوجيا المعلومات والإعلام، وحرية التجارة الدولية في مرحلة ما بعد الشركات متعددة الجنسيات العابرة للأوطان، واقتصاد السوق وحرية الحركة في الأسواق العالمية.

أصبحت المجتمعات تعتمد أكثر فأكثر على بعضها البعض، ثورة المعلومات التكنولوجية وإعادة هيكلة الرأسمالية وضعت شكلا جديدا من أشكال المجتمع، هو "مجتمع الشبكة". والعولمة عبر شبكات المال والتكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، حولت العالم الى عالم متزايد الترابط، وأن هذه التغييرات التي حدثت في عصرنا كانت كبيرة وسريعة لدرجة أنها خلقت مشاكل اجتماعية، ليس فقط داخل المجتمع المحلي ولكن أيضاً على المستوى العالمي.

لا يوجد مجتمع في عالم اليوم يعيش بمعزل عن أي شيء آخر، يتم تذكيرنا باستمرار بالعالم انه أصبح أصغر وأكثر تكاملا. ومع ذلك، فإن جزءا كبيرا من سكان العالم مستبعد من فوائد العولمة، ولا يبدو أن العولمة المتزايدة يعقبها أي تكامل سياسي أو الحد من عدم المساواة والظلم.

يذكر المرجع الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) في كتابه "فقه العولمة، دراسة إسلامية معاصرة"، الذي تناول هذا الموضوع في الاروقة الحوزوية والفقهية بشكل غير مسبوق، "أن اخطر ما يواجه البشرية في مجال العولمة هو تجريد العولمة من المعنويات، والنظر إليها بعين واحدة، على أنها عولمة اقتصادية لكسب الأرباح المادية فقط دون بعدها المعنوي والإنساني.

ففي بعض التقارير: أن ثروة ثلاثة أغنياء أمريكيين تعادل أو تزيد على ثروات 48 دولة من دول العالم الفقيرة، وأن 255 ثرياً في العالم يمتلكون ألف مليار دولار، وأن 48 شخصاً أمريكياً تزيد ثروتهم على ثروة الصين التي يصل عدد سكانها إلى 1.3 مليار نسمة، وأن أربعين مليار دولار فقط ـ أي ما يوازي 4% من ثروات الـ 225 شخصاً ـ كافية لكي تؤمن لكل سكان المعمورة الخدمات الاجتماعية الأساسية التي يحتاجون إليها، أي الغذاء والصحة والمياه والتعليم.

وعليه: فلا يمكن قبول فكرة هيمنة الأسواق بصورة مطلقة على عملية العولمة، ليكون الربح وحده هو أساسها في غياب من الاعتبارات الإنسانية وحقوق الإنسان وكرامته.

وكذلك لا يمكن أيضاً قبول فكرة استخدام علاقات القوة السياسية لفتح الأسواق العالمية قسراً وغزوها قهراً من دون مراعاة القوانين الإنسانية الإسلامية كقانون لا ضرر وما أشبه".

في دولنا العربية والإسلامية نحن بحاجة إلى التحديث؛ والانخراط في عصر العلم والتكنولوجيا كفاعلين مساهمين لا مستهلكين فقط، وفي الوقت نفسه نحن بحاجة إلى مقاومة الاختراق وحماية هويتنا وخصوصيتنا الثقافية من الانحلال والتلاشي تحت تأثير موجات الغزو الذي يمارس علينا وعلى العالم أجمع بوسائل العلم والتكنولوجيا، وهذا لا يقل عن حاجتنا إلى اكتساب الأسس والأدوات التي لابُدَّ منها لممارسة التحديث ودخول عصر العلم والتكنولوجيا، وليست هاتان الحاجتان الضروريتان متعارضتان بل متكاملتان.

خلاصة:

إن نجاح أي بلد من البلدان النامية في الحفاظ على الهوية، مشروط بمدى عمق عملية الانخراط الواعي في عصر العلم والتكنولوجيا، والوسيلة في كل ذلك هي اعتماد الإمكانيات التي توفرها العولمة نفسها "الجوانب الإيجابية منها".

فنحن لسنا مجبرين أن نكون أميركان او فرنسيين او صينيين، أو غير ذلك؛ بل يجب أن نحافظ على هويتنا والعادات والتقاليد والاخلاق، مع استثمار الطفرة العلمية الناتجة عن العولمة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال:

1. صياغة استراتيجية للتعامل مع العلم والتكنولوجيا الحديثة، وإعادة النظر في المناهج الدراسية والجامعية على نحو يهدف إلى تأصيل الملامح الحضارية في الشخصية العربية والاسلامية لمواجهة تحولات عالم اليوم.

2. ضرورة خلق إعلام مهني أخلاقي يبني الإنسان الواعي والقادر على أن يكون فاعلاً في حوار الثقافات، ومصونًا ضد أخطار العولمة، ومحافظًا على هوية الأمة وقيمها.

3. ضمان الحرية الفكرية الثقافية وتدعيمها؛ حيث إن حرية الفكر والثقافة عامل أساس في إغناء الحياة الثقافية وتطور الافراد.

4. دراسة سلبيات وإيجابيات العولمة الثقافية برؤية منفتحة، غايتها البحث والدراسة العلمية، وفى الوقت نفسه نعرِّف تلك الثقافات العالمية بما لنا من تراث وتقاليد وقيم اجتماعية عريقة.

5- إصلاح الأوضاع الداخلية، للتعامل بفاعلية مع متطلبات عصر العولمة وتحدياته؛ مما يحتم ضرورة الشروع في عملية الإصلاح الداخلي.

إن الإصلاح السياسي القائم على تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي بصورة تدريجية وتراكمية، يحقق العدالة الاجتماعية، ويكافح ظواهر الفساد السياسي والإداري، يعتبر هو المدخل الحقيقي لبناء دولة المؤسسات، وتحقيق سيادة القانون، ويرشّد عملية صنع السياسات والقرارات.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2021
http://shrsc.com

اضف تعليق