يشهد العراق استعراضا سياسيا يوميا لا مثيل له، اذ يتبارى سياسيون في طرح مشاريع (اصلاحية) ويتنافس اخرون في الشعارات والتصريحات الداعية الى اصلاح المجتمع والدولة، بينما ينهمك صنف اخر في الترويج لمشاريع (بناء الدولة والدفاع عن سيادتها واستقلالها) عبر فعاليات عسكرية وأمنية ودعائية ويستعمل هؤلاء، زعامات واحزاب وجماعات وافراد، وسائل الاعلام والاتصال والعلاقات العامة للترويج لبضائعهم السياسية.

يجري هذا النشاط المحموم في مجال سياسي مأزوم، فالبلاد تعيش صراعات وانقسامات حادة، وتتضارب المصالح بين الجماعات الحزبية والسياسية بما يمنع قيام جبهات سياسية أو تحالفات بين الاوساط المتقاربة أو المتماثلة فكريا أو طائفيا أو عرقيا، تساعد في احتواء التناقضات واستيعاب التوترات والأزمات الكثيرة، المثير للدهشة ان صراعات قوى الاسلام السياسي الشخصية والحزبية تشغل الساحة السياسية أكثر من غيرها، وتتباعد المسافات بينها الى مستويات يخشى على البلاد من خروج الخلافات بينها عن السيطرة، وربما انفلتت الامور بسبب العصبيات وانتشار السلاح بما يهدد الامن ويزيد من الفوضى التي يرتع فيها العراق.

لا غرابة في الامر، فصراعات (الاسلاميين) تكون عادة من اخطر الصراعات، فسلاحها الانفعال (الديني والسياسي) وادواتها التفسيق والتبديع والتكفير، وشعاراتها جدلية لا تقبل النقض (اما، أو) فهي تقوم على ثنائية، الايمان أو الكفر، الاصلاح أو الافساد، الحق أو الباطل، وقد يتطرف البعض في تبسيط القضايا الخلافية فيتبرع في الاغتيال الرمزي والتصنيف القاتل، وحسب مقتضيات الحال، فيصبح الفهم المتشدد عنوانا للحق، والفهم المعتدل مظنة للاتهام، وينساق آخرون في تطرفهم فلا يجد في الآخر الذي لا يتطابق معه في الرأي والفهم والتفسير، سوى مشروع مؤامرة وانحراف عن المسيرة وتساقط وتراجع عن المبادئ.

نعيش في العراق هذه النماذج من الصراعات، كما في اغلب دول المنطقة، لكنها في بلادنا تأخذ طابعا شرسا، لأنها تقترن بمشاريع كبرى، لها صلة بمصير صراعات أكبر، وما دامت السلطة والقوة هما الهم الرئيس للمتصارعين، لذلك تغدو شوارع العراق ومنصاته الاعلامية، ساحة حرب يومية تجري بأدوات ناعمة وأحيانا خشنة وقاتلة.

ما يثير في هذه النزاعات المستمرة هو التناقض بين الاعتقادات وبين السلوكيات، أو ما سماه عالم النفس الاميركي ليون فستنغر (1919-1989) التنافر المعرفي، وتفترض هذه النظرية الشهيرة ان الناس لا يحبذون التصرف خلافا لاعتقاداتهم ومتبنياتهم الفكرية، لكنهم عندما يسلكون طرائق تتعارض مع ما يحملونه من اعتقادات تنتابهم حالة من الضيق، فيلجؤون الى التبرير والتخفيف من حالة التناقض هذه وربما انكارها، أو تأويلها والتغطية عليها.

تزدحم حياة العراقيين بمثل هذه التنافرات المعرفية، بل ان سلوكهم الاجتماعي والسياسي صار مطبوعا بها، كما رآها اختصاصيون عراقيون عديدون في علوم النفس والاجتماع والسياسة، فنحن نشهد تعديات يومية على الدولة وسلطاتها والمجتمع وحقوقه، والسيادة والامن، باسم الحرص على الدولة وحقوق الناس والاستقلال والكرامة!، والانطباع السائد هو ان من يقومون بهذه الافعال يصنفون انفسهم بأنهم دعاة عدالة ودولة قوية وحرص على الجمهور، بينما الوقائع تتحدث عن سلوكيات تبعدنا يوميا عن الاستقرار والسلام والنماء والازدهار بسبب أنانيات السلطة وطموحات الزعامة والاستبداد. وبسبب هذا اللون من السلوكيات تصبح مشاريع معالجة الازمات والمشكلات، أزمة بذاتها، فالاصلاح يتحول الى ازمة كبيرة، والانتخابات لا تعود حلا لأزمة سياسية، وتنقيح الدستور يمسي تهديدا للتوافق، وهكذا.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق