واحدة من أركان الدولة وعناصر وجودها هو عنصر السيادة الفعلية على شؤونها الداخلية والخارجية، وامتداد سلطانها على أراضيها كافة وبحرية تامة. ولا يكفي اعتراف القانون الدولي والمجتمع الدولي بسيادة الدولة نظريا، إذا كانت هنالك تدخلات خارجية في شؤونها بحيث تقيد أو تلغي سيادتها الفعلية تماما.

ممكن القول: إن العراق يمتلك السيادة القانونية والاعتراف الدولي بذلك لكنه من الناحية الواقعية يعاني من أزمة سيادة، لأنه أكثر الدول تأثرا بالمحيط الإقليمي والدولي من ناحية التدخل في شؤونه الداخلية، بدءاً من تكوين الكيانات والأحزاب السياسية وصياغة التحالفات الانتخابية وكذلك نتائج هذه الانتخابات وتشكيل الحكومة وتسمية رئيسها، مرورا بالتدخلات الامنية والاقتصادية وحتى الاجتماعية المرتبطة بالجانب الديني والمذهبي والقومي، فبمجرد نظرة بسيطة إلى طبيعة تشكل تلك الكيانات وتركيباتها وتوجهاتها على مستوى المكونات والبعد المذهبي نجد التأثير الخارجي بشكل بارز.

ويتضح دور التدخلات المكشوفة في شؤون العراق خاصة في قضية تشكيل الحكومة، إذ لا تسمح القوى المتنافسة والمتصارعة في المنطقة وهي أمريكا وإسرائيل وإيران وتركيا والسعودية والإمارات وقطر، بوجود كيانات سياسية ذات أغلبية مخالفة لمصالحها تكون الأساسَ في اختيار رئيس الحكومة وتركيبتها؛ لأن العراق يعد عمق أساسي للأمن القومي لتلك الدول بكل مجالاته.

فتركيا تريد التأثير باستمرار على مجريات تشكيل الحكومة في العراق فأي وصول رئيس حكومة لابد أن يحصل على دعم وموافقة تركية لضمان التبادل التجاري، وعدم حصول توترات حدودية وأزمة مياه، وتوازنات العلاقة مع كردستان، خاصة مع وجود قوات تركية في شمال العراق تحت غطاء محاربة حزب العمال الكردستاني.

وأيضا للملكة العربية السعودية مطامح واسعة في توسيع نفوذها في العراق عبر دعم قوى سياسية تضمن مصالحها وتوجهاتها، خاصة أن المملكة تحاول تصفية حساباتها مع إيران في العراق عبر بوابة تشكيل الحكومة ودعم بعض الأطراف ضد الأطراف الأخرى ليكون لها موطئ قدم في التفاعلات السياسية داخل العراق، وهي تستفيد كما تستفيد الولايات المتحدة وتركيا من الانقسام السياسي بشكل مستمر، كما تدخل قطر على خط إطار التدخلات عبر أجواء تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب والمواقع ضمن بوابة الضغوط الخارجية التي تمارس على القوى المتفاوضة.

أما إيران فتعتبر العراق منطقة نفوذ، وبوابة لضمان أمنها القومي ضد التهديدات الأجنبية، ولهذا تعمل على تحقيق خطوط اتصال فاعلة ومؤثرة وضاغطة داخل البيت الشيعي والسني والكردي، لضمان مصالحها السياسية والاقتصادية وتفادي العقوبات الأميركية ضدها.

أما التدخل الأمريكي المرتبط بالتدخلات الإقليمية فله مدلولات عديدة يتضمن: مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة عبر البوابة العراقية لضمان مصالحها الجيوسياسية، وضمان مصالح حلفاءها في دول الخليج الذين لديهم مخاوف من تزايد القدرات والنفوذ الإيراني في العراق والمنطقة بشكل يهدد استقرار أنظمتهم السياسية التقليدية الحاكمة، إضافة إلى البعد الطائفي والمذهبي وانعكاساته، فضلا عن ضمان أمن إسرائيل واستقرارها وترسيخ وجودها كدولة في المنطقة، لهذا تعمل الولايات المتحدة الأمريكية باستمرار بالضغط نحو وصول رئيس حكومة يكون حليف لها ويعمل على تأمين مصالحها وضمان بقاء التواجد العسكري في العراق.

ولهذا يعد ملف تشكيل التحالفات ونتائج الانتخابات وتشكيل الحكومة البوابة الأساسية لانتهاك سيادة العراق، إذ يشهد البلد مبارزة إقليمية ودولية عبر محاولات تثبيت المشاريع والنفوذ ومواجهة المشاريع المضادة داخله، وما يحفز التدخلات الخارجية في شؤون العراق الداخلية المحرضات الآتية:

1- منهج المحاصصة والتوافق، الذي أخفق في بناء الدولة في العراق، ولو كانت التحالفات قائمة على أساس البرامج الخادمة للمواطن لتقنن التكالب والصراع على السلطة، لكن التحالفات قائمة على أساس المصالح الفئوية، ولإدارة هذا التصارع تلجأ وتسمح الأحزاب والقوى السياسية بتغليب التدخل الخارجي الذي يشمل عدة أطراف دولية وإقليمية مما يزيد من الإرباك والتأزم، بحيث يصبح النفوذ الإقليمي والدولي شريك في العملية السياسية لا متدخل فقط، ولهذا يعيش العراق على وقع أزمات حكم تعيق إمكانية إعادة بناء الدولة بكل معنى الكلمة.

2- على صعيد التدخلات الإقليمية والدولية في العراق هنالك دوما رغبة مرتبطة بالمجتمع الدولي والإقليمي متمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها في المنطقة للعودة والتأثير في الملف العراقي، فقد أتاحت الانتخابات العراقية الأخيرة ونتائجها ومخرجاتها، وتلاها احتجاجات تشرين ٢٠١٩ وانعكاساتها واستمرارها لغاية الآن، فرصة مؤاتية للتدخل والتموضع بدعم جهات على حساب جهات أخرى وتوظيف أدواتها الضاغطة لتحقيق ذلك وهي قوى عظمى تمتلك الوسائل المؤثرة لتحقيق الأهداف والمصالح الخاصة بها، كما تعد مسألة القدرة على التحريك السلبي للملف الأمني وضرب الاستقرار السياسي بيئة منطقية للولايات المتحدة للتحرك صوب الضغط والعودة والتأثير على مجريات العملية السياسية والسيطرة عليها.

3- سياسة المحاور المتشكلة في المنطقة توفر بيئة مناسبة للتأثير على خيارات القوى السياسية سواء الامنية أو الانتخابية أو الاقتصادية، من حيث تشكيل الحكومة وأداءها الإنجازي والتقارب والتنافر مع هذه المحاور وتحقيق مصالحها، فالتنافس والصراع بين إيران وتشكيلها لما يسمى محور المقاومة داخل العراق إضافة إلى سوريا ولبنان واليمن، في مقابل سعي الولايات المتحدة إلى تطبيع عربي إسرائيلي بدأ يتحقق وهو بحاجة إلى البقاء في العراق والمنطقة إضافة إلى طمأنة الحلفاء، فضلا عن تركيا وسعيها الدائم للتوسع الخارجي وتناقضات تحركاتها الدبلوماسية صوب أمريكا وروسيا والعراق بما فيه إقليم كردستان، كلها تداعيات ومتغيرات تجعل العراق سياسيا وأمنيا ساحة صراع لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية بما يضع سيادته في أزمة ويؤثر على استقلالية قراراته وحيادية مواقفه.

4- تزايد التنافس والصراع الإقليمي والدولي في المنطقة له انعكاسات قريبة من العراق فكل نوايا وتوجهات الدول الإقليمية والولايات المتحدة ودول الخليج تتمركز حول الاستثمار والتنافس في الملف السياسي العراقي عبر بوابة الانتخابات والاحتجاجات وتشكيل الحكومة والواقع الأمني، بعد خسارة الرهان على داعش وما كان مخطط له، من تقسيم العراق وإنهاء العملية السياسية القائمة منذ عام ٢٠٠٣، وإعادة صياغتها وفقا لمصالح الأطراف الرابحة، ولهذا لن تتراجع هذه القوى عن التدخل في الشأن السياسي العراقي طالما أن قياداته ونخبه السياسية ضعيفة ومتعددة الولاءات للخارج.

5- تراجع الخدمات وضعف البنى التحتية والتحدي الاقتصادي، وتزايد الاحتجاجات أيضا عامل أساس لاستفحال أزمة السيادة العراقية، فهنالك ارتباط لا يمكن إغفاله للعوامل الخارجية المرتبطة بالمحيط الإقليمي للعراق عما يحصل وحصل من حالات تخريب لمدسوسين من اجل حرف الاحتجاجات وتعميق الأضرار، وآخرها في ذي قار، مع وجود قوى محلية ترتبط بتلك الأجندات من مصلحتها كسب معطيات هذه الاحتجاجات وما بعدها، وأن تكون الأجواء مشحونة بهذه الحيثيات، ومن مصلحة تلك الدول أن يتضرر الشريان الاقتصادي والمؤسسي للعراق لاستدامة التدخل والبقاء وتحقيق المكاسب.

6- يمثل العراق بيئة خصبة لمنطق الزبائنية السياسية مرتبطة بشخصية ووعي القيادات السياسية مابعد العام ٢٠٠٣، حيث تنامت شبكة الزبائنية من الناحية البيانية التخطيطية وشكلت دائرة اتصالية جماعية تحدد هذه الدائرة كيفية تواصل بعض النخب السياسية بطريقة معقدة دون ذكر كيفية التواصل، لكن منطق الصفقات البنيوي والوظيفي هو السائد فأصبحت هذه النخب المحلية لوبيات وشبكات ضغط قوامها تحقيق تخادم مصالح إقليمية ودولية في العراق على حساب المصلحة الوطنية.

ولهذا لابد من إجتراح سياسات لمواجهة التدخلات الخارجية واستعادة سيادة العراق المتأزمة، ويقع على عاتق بعض القوى والنخب السياسية الوطنية والفاعلين الاجتماعيين والمحتجين السلميين بلورة إرادة سياسية قادرة على هذه المواجهة وإنهاء أزمة السيادة، منها:

1- العراق بحاجة إلى دعم سياسي شامل إقليمي ودولي ولكن وفق أطر تمتين العلاقات مع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي مما يمنح فرصة أقوى لاحتواء المعطيات والمتغيرات الحاصلة في المنطقة مع توجيه وتحرك حذر تجاه ما يحصل فيها، بما ينعكس على حفظ مصالح العراق من تأثير تداعيات الصراع الإقليمي وعدم جره لتجاذبات المحاور المتشكلة، ما يعمل على إضعاف موقف العراق ويجعله ساحة للتدخل وعدم الاستقرار، وهذا يكون عبر تفعيل ملف الرقابة والمتابعة لملف السياسة الخارجية وإشراك القوى السياسية الوطنية في صنع القرار الخارجي ومواجهة التدخلات، مع إيجاد غطاء سياسي وشعبي ساند وداعم وموحد لتنفيذ السياسة الخارجية.

2- رغم التجاذبات السياسية الداخلية وتزايد منطق الزبائنية السياسية للخارج، إلا أن أهم أدوات استعادة ثقة المجتمع بالسياسة والقوى السياسية، هو تقليص حجم التأثر بالتداعيات الإقليمية الحاصلة حول العراق، والبدء بتحصين العملية السياسية والحرص على نجاحها وإبعادها عن التدخلات الخارجية، وهذا أفضل خيار يعمل على بناء الثقة، تقدمه القوى السياسية الحالية، بالتعاون مع القوى السياسية الجديدة المعول عليها، التي ستصل للبرلمان والحكومة في مواجهة أزمة السيادة العراقية.

3- يحتاج العراق في إطار مواجهة هذه التدخلات الإقليمية الدولية بأنساقها المختلفة سواء كانت أمنية عسكرية أو سياسية دبلوماسية كما حصل مؤخرا مع ممثلي بعض البعثات الدبلوماسية العاملة في العراق، إلى تكييف وتحويل السلوك الصراعي والتنافسي الخارجي إلى مصالح وطنية داخلية عبر توفير آليات وحلول ومقترحات لإدارة هذه النزاعات، تطرح من قبل صناع القرار وقادة المجتمع، بعيدا عن منطق الربح والخسارة على المستوى الفئوي والجهوي، بل بالاعتماد على مبدأ الشفافية والوضوح بدلا عن السرية والغموض في العمل الدبلوماسي والسياسي وعدم رهن الاتفاقات والمعاهدات والتفاهمات وقنوات الاتصال المتعددة ضمن دائرة ضيقة من القوى السياسية الحاكمة التقليدية في الدولة.

4- العمل على تحقيق المقبولية الشعبية والتراضي بين السياسة والرأي العام ويكون ذلك بحرص الدولة على تحقيق الإجماع الوطني على سياستها الخارجية والظهور بمظهر الوحدة الوطنية، وعبور وتجاوز المصالح الضيقة ويتطلب ذلك انجاز الشرعية الدستورية وإعطاء دور للبرلمان للاشتراك والرقابة على السياسة الخارجية في القضايا المصيرية، لأن أجواء الأزمات التي يمر بها العراق يزيد الحاجة إلى هذه الرقابة الوطنية في إعداد السياسة الخارجية العراقية وتنفيذها، فالرقابة والإجماع الوطني أصبحا أداة مهمة لإيجاد حلول للصراعات وكابح من كوابح التدخل بالشؤون الداخلية، خاصة أن طبيعة الصراعات الإقليمية في العراق معقدة ومتداخلة بتفاعلها مع عوامل عرقية ودينية ومن الصعب على الحكومة بمفردها إيجاد حلول لها، في حين أن العمل الحذر مع دول ووحدات الصراع قادر بشكل جماعي على إجتراح حلول للمشاكل المطروحة.

5- بالإمكان اللجوء إلى ما يعرف بالدبلوماسية الموازية أو الدبلوماسية الجماعية متعددة المسارات بالاعتماد على فتح قنوات اتصال رسمية وشبه رسمية، ومشاركة فاعلين متعددي الاختصاصات كجامعيين وخبراء مستقلين، ومراكز أبحاث ومنظمات مجتمع مدني ورجال أعمال ووجهاء ومبعوثين خاصين؛ من أجل إقامة نماذج جديدة في حل النزاعات وتسوية الملفات، تدافع عن مصالح العراق وإعطاء الزخم اللازم لمنع ومواجهة أي تداخلات خارجية في شؤونه الداخلية.

في النهاية: تتحقق قوة السيادة العراقية، إذا حل الدستور والنظام والقانون محل الإيديولوجية، ويصبح الهدف الأساس الذي يحكم السياسة الخارجية هو الاندماج السياسي والاجتماعي وبناء القدرات العسكرية الوطنية، واستغلال الموارد بالشكل الأمثل، وإحلال سياسات الانفتاح والتقارب مكان سياسات المواجهة مع المجتمع الدولي.

هذه القضايا جميعا تؤهل أي دولة أن تكون لاعب جيو-استراتيجي فاعل ومؤثر في العلاقات الدولية.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2021Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق